فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 1217

وقد يدخل في هذا الباب حياء الناس بعضهم من بعض، حياء البكر من الإفصاح بالرغبة في النكاح، وليس هذا خوفًا لذم يلحقها على إرادة النكاح وإنما هو خوف ذم على ما يخشى أن يستبدل بإظهارها الرغبة في النكاح عليه.

وهو حب الرجل وقلة الصبر.

فإنها إذا تصورت في القلوب في هذه الصورة لم يؤمن أن يظن بها غير الجميل.

فالذم على ذلك هو الخوف لا على النكاح نفسه.

والحياء من هذا، ليس أنه الحقيقة وإنما هو مما يخاف أن يكون وراءه وبالله التوفيق.

ويدخل في جملة الحياء من الله - عز وجل - ثم من الناس، ستر العورة لأن الشريعة كما جاءت بالأمر بستر العورة، فكذلك الناس بحكم طبائعهم يعد من كشفها شقاء عليه، وسفاهة وخلاعة.

جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أستر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك» يعني الإماء.

قيل له: أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا بنفسه، قال: «الله أحق أن يستحى منه» .

فدل ذلك على أن ستر العورة تجمع العبادة والمروءة.

فإن قال قائل: ما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - «أحق أن يستحى منه» اللبس لا يحجب عن الله لأنه يرى المستور كما يرى المكشوف؟

قيل: هو هذا، ولكنه يرى المكشوف مكشوفًا قد ترك أدبه من الستر فيه.

ويرى المستور مستورًا أقيم أدبه من الستر فيه، فصح الاستحياء منه باللبس والستر فيه، وبالله التوفيق.

فإن قيل: أولا يحل كشف العورة في البيت الخالي؟

قيل: يحل، وليس معنى قوله - صلى الله عليه وسلّم - «أحق أن يستحى منه» أن التكشف مع الخلوة لا يحل وإنما هو معنى أن المتكشف يرى نفسه كما كان غيره يراه لو كان حاضرًا والأحسن أن لا ينظر إلى عورته من غير أدب، وأن يستر عن نفسه ما يستره عن غيره.

ألا ترى أنه لا يحرم عليه أن ينظر إلى فرج امرأته وجاريته، ولكن الأحسن والأشبه بالمروءة أن لا ينظر.

فكذلك هذا في نفسه.

فمعنى قوله «الله أحق أن يستحى منه» أن يتحمل على عيبته بالستر، لئلا يرى العبد ناظرًا إلى عورة نفسه لا يرى عورة عبده، فإن الاحتجاب عن الله غير ممكن، وبالله التوفيق.

والأصل في هذا قول الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} .

فأمر المؤمنين أن لا يتكشفوا للمماليك ولا للصغار المراهقين، فينظروا إليهم وهم غير متسترين، لئلا تقع أبصارهم على عوراتهم.

وأمرهم أن يحتجبوا عنهم، فلا يدخلوا عليهم في هذه الأوقات، إلا بعد الاستئذان، فيستترون إذا سمعوا الاستئذان، ثم ينادون ولو جاز الإذن لهم على ما هم عليه من التكشف لم يكن لغرض الاستئذان، ففي هذا ما أبان أن ترك الاستحياء بالتكشف مذموم، وأن النظر إلى التكشف الذي رفض الحياء جانبًا مذموم مثله، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت