فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 1217

(فصل)

ثم القول في الأطفال وما هم صائرون إليه من الجنة والنار، يتبع الأصل الذي سبق ذكره وتقديره.

فمن قال: إن كل مولود فإنما يولد على الحق، حتى يكون أبواه ينقلانه إلى الباطل.

قال: إن الطفل المولود بين مشركين إذا مات ولم يبلغ مبلغ الاختيار، فيختار الدين الحق أو الذي عليه أبواه، زالت عنه ولاية أبويه فزال ما كان فيهما من تغيير دينه، فرجع إلى أصل أمره، فكان بذلك من أهل الجنة.

ومن قال: بالقول الآخر قال لا يقطع في أمرهم بشيء، وقد يجوز أن يكون مع آبائهم وأمهاتهم في النار، لأن الله - عز وجل - قد اتبعهم إياهم في الدنيا، فيمكن أن يتبعهم إياهم في الآخرة.

قال: قد يجوز أن يوردوا النار وإن لم يدينوا، لأن من أورد النار، فلأنه خلق لها، ومن أدخل الجنة، فلأنه خلق لها.

واحتج بقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} .

ويجوز أن يصاروا إلى الجنة في هذا القول.

فيدل ذلك على أنهم خلقوا لها وإن لم يكونوا كسبوا في الدنيا خيرًا.

وقد قيل: إنهم يصاروا إلى الجنة ليكونوا خدام أهلها، لا لتكون الجنة ثوابًا لهم.

فإن الثواب يقابل الطاعة، وهم لا طاعة لهم.

فيكونون لأهل الجنة في الجنة كخدام الملوك في قصورهم وبساتينهم.

ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كساتهم.

فكذلك هؤلاء الأطفال وإن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثوابًا لهم، والله أعلم.

وقد قيل: إن كل من علم الله منه أنه إن بلغه الكبر آمن به وعده أدخله الجنة، وكل من علم منه أنه بلغه كفر وفخر، أدخله النار.

ومن ذهب إلى هذا احتج بما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم -، سئل عن أطفال المشركين.

فقال: «الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ» ، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر غير هذا المعنى، وهو أن الله أعلم بما هم صائرون إليه، وما هو كائن من أمرهم.

ويجوز أن يكون سئل عن هذا قبل أن يتبين له ما بهم، فقد كان - صلى الله عليه وسلّم - بمكة قبل ما كتب بدعاء الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ولم يكشف له عن عاقبة أمره وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .

ثم أنزل عليه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، وأنزل عليه، {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .

فاعلم أن الذي يفعل به أن يظهره عليهم، والذي يفعل بهم أن يقهروا أو يذلوا، إلا أن يدخلوا في دين الحق، وكذلك يجوز أن يكون لم يعلم خبر الأطفال عند حدوث هذا السؤال فيوقف، وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين، أيدخلون الجنة آمنين أم يكونوا في النار معذبين» .

ولم يرد بذلك أن كل واحد منهم يعامل في الآخرة بما علم الله أنه لو خلاه في الدنيا لفعله، لأن ذلك لو كان جزاء، فالجزاء لا يكون بما لو وجد ليجزي إليه سبيلًا لفعله أو إذا يكون بما قد فعل، ألا ترى أن أحدًا من العصاة لا يعذب على معصية كانت تقع منه لو أمهل وترك في الدنيا، أكثر مما كان بها واحدًا من الفقراء لا يعذب على منع زكاة كان يكون منه، لو أولي مالا، فالأطفال الذين هم أضعف منه وأقل قوة أولى أن لا يعاملوا بمثل هذه المعاملة وبالله التوفيق.

وقد قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «من أنه تؤجَّج لَهُم نارُ يوم القِيامة، ويُؤمَرون بدخولها، فمَنْ هُمْ أصرَفُ بِها إلى الجَنة، ومن أبَى أُمِرَ بِه إلى النَّار، وقال الله عز وجل: إيَّايَ عَصَيْتُم، فكَيْفَ لوْ رُسُلي بالغَيْبِ أتَتكُمُ» .

وليس هذا الحديث ثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان.

فإن المعرفة بالله فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، لأن الأطفال هناك لا لهول من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء.

فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق بأحوالهم المحنة.

وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت