فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 1217

ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ أنهم لو استأمنوا بلا مال، ولم يكن على المسلمين ضرر من إيمانهم وجب إيمانهم، فإذا انضم إلى ذلك ضمان بمال، كان الكف عنهم أولى، لأنهم إذا استناموا كان حظنا من الأمان كحظهم.

فإما نأمنهم كما يأمنونا، وإذا بدلوا كانت لهم في إجابتهم زيادة رفق لا يكون لهم بإزائه مثله، بل يكون عليهم فيه صغار ذلة من وجوه:

أحدها: أنهم يصبرون كالعبيد المخارجين يسعون وبكسيون من يلزمهم إن ردوا إلينا ما وقع العقد عليه من غير متابعة ولا مداينة ولا استهلاك ولا خيانة، وهذا صورة العبيد الذين يستكسبهم ساداتهم، وفي ذلك متعبة لهم على رفض السبب الذي أنزلهم هذه المنزلة وهو الكفر.

فإن قيل: إنهم إذا كانوا عند أنفسهم محقين لم نبعثهم هذه المذلة التي تلحقهم لأجل دينهم على أن يرفضوه كما لو وقع مثل هذا، لكن لم يبعثكم على رفض دينكم، إن كنتم تعلمون مثل أنفسكم أنكم محقون.

قيل: ليس كذلك بل مبطلون، لأن الله ـ تعالى جده ـ أخبرنا أنهم يجدون نبينا - صلى الله عليه وسلّم - مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن الحسد هو الذي يحملهم على لزوم كفرهم.

ونزل الإيمان بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - ونحن من هذه الأخبار في ثقة ويقين، فذلك الذي يمنعنا أن دفعنا من جانبهم إلى أمر نكرهه.

وسيكفينا الله تعالى ذلك بفضله.

ونفيناه إلى أن نرفض ديننا.

وأما هم فإن حالهم إذا كانت ما ذكره الله تعالى من إنصاف ذلك لخوف الذلة والصغار، أتاهم قرب ذلك نزوعهم عما هم فيه، فإنهم إنما يتمسكون بدينهم ما داموا يقدرون لأنفسهم في الثبات عليه حظًا من الدنيا.

فإذا تفرد عندهم أن لا دنيا ولا آخرة لم يثبتوا عليه.

فهذا فرق ما بيننا وبينهم.

فإن قيل قد ثبتوا ولم يغن استدلالكم إياها شيئًا؟

قيل العقل السليم يدعو إلى ما ذكرنا فإن ذهب عنه ذاهب فذاك لا يفسد هذا الأصل.

وقد يذنب بعض الناس ذنبًا فيخلد عليه، ثم يعود فيخلد فيتكرر ذلك منه، وعليه دفعات فلا يرتدع، ولا يدل ذلك على أن عقوبة المجرم بالضرب الشديد ليست في موضع الردع والزجر، بل هي كذلك في حكم العقل، فإن ذهب عنه ذاهب لم يقدح ذلك في الحق والحكمة شيئًا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت