وأما قوله: «إن إسحاق أبو الأنبياء والملوك وإسماعيل لم يلد إلا عبدة الأوثان وسفك الدماء والغائبين في الأرض إلى أن ظهر النبي - صلى الله عليه وسلّم -» .
فجوابه: أن إسحاق ابن عمه ولد المجوس الذين هم عبدة الأوثان ومستحلوا البنات والأمهات، وهم ولد الروم على ما مضى وبقي فيهم من أصناف الكفر إلحادًا وغير إلحاد، وما كانت عبادة الأصنام في العجم أقل منها في العرب، فما في هذا.
وأما دعواه في أن أم إسماعيل كانت أمَة لأم إسحاق، فالأخبار في ذلك مختلفة، فقد روي أن النمرود الذي استدعى سارة إلى داره، لما أراد أن يمد يده إليها يبست يده، فسألها أن تدعو له، فدعت فأطلق الله تعالى يده فأرسلها ووهب لها هاجر، ثم إن سارة وهبتها لإبراهيم صلوات الله عليه لتعجيزها وعقمها من الولد.
وروي أنه أراد أن يمسها، فزلزل البيت من قواعده، فأخرجها إلى البستان، فلما أرادها يبست يده ورجلاه، فسألها عن إبراهيم، فأخبرته أنه نبي الله وزوجها، فدعاه فحضر فسأله أن يدعو ربه ليطلق يده ورجليه، فأوحى الله لا تفعل حتى يخرج إليه من جميع ملكه فأعلمه إبراهيم صلوات الله عليه ذلك فخرج إليه من جميع ملكه، وكانت هاجر، فدعا له إبراهيم عليه السلام.
فأطلق الله تعالى، وعمل إبراهيم إلى ما كان أعطاه، فرد إليه ما خلا هاجر فإنه أمسكها.
وفي هذه الرواية بيان أن هاجر لم تكن لسارة، ولو كانت لسارة لصارت لإبراهيم إذا وهبتها له، ولكن إسماعيل ابن أمة إبراهيم، لا ابن أمة سارة.
وليس في هذا ما يمنع من تقديم إسماعيل على إسحاق، فإن ابن الكافرة قد يكون أفضل من ابن حرة، وإنما الذي حدث الكفر، ولا يكون أكثر منه.
وأما دعوى هذا المحتج: أن إسحاق هو الذبيح فإنها غير ثابتة، لأن المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن مختلفون في الذبيح من ابن إبراهيم صلوات الله عليه، وإلا ظهر أنه إسماعيل، لأن الله - عز وجل - أخبر عما أراه إبراهيم في منامه، وما كان منه، ومن آيته في الإسلام لأمره، وما تدار كفاية من رحمه، وقيضه له من الذبيح الذي قد أولده، وجزاه به بعد أن أطال من السلام والمباركة عليه، ثم قال بعد ذلك كله: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} فدل هذا السياق على أن إسحاق لم يكن في ذلك الوقت مولودًا، فكيف يكون هو الذبيح؟
قيل: إن قوله عز وجل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا} فوجب أن تكون البشارة بنفسه أولًا ثم بنبوته.
فمن قصرها على النبوة، فقد أخل بمقتضى هذا الخبر.
وأيضًا فإن الله عز وجل: أخبر أنه لما صرف عن إبراهيم كيد أعدائه قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} يعني الهجرة.
فإنه دعا فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ} فأجابه وبشره {بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} ثم وصف هذا الغلام الذي بشر به، فإنه لما بلغ معه السعي، فلما أسلم لأمر الله تعالى فيه إنقاذه، وتركه له وميزه مع ذلك بأن أخبر كما قال في قصة أيوب عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} .
ويؤكد هذا أنه لما قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ} لم يكن له يومئذ ولد.
فلما بشر بغلام حليم، لم يكن ذلك إلا عن إسماعيل، لا عن من يخلق بعد ولم يولد.
وقول الله عز وجل: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} ، يدل على أن المعنى فبشرناه بغلام يأمره بما يشق الصبر على مثله، فيحكم ولا يضطرب، وكذلك فعل.
لأنه لما قال: {يابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .
فبان بهذا أن الخبر عن إسماعيل كان الذي بشر به من ذلك الوقت والله أعلم.
وأيضًا، فإن الأخبار تظاهرت بأن هذا الأمر كان بمكة وإسماعيل هو الذي أمر إبراهيم بإسكانه الحرم.
فأما إسحاق عليه السلام، فلا يذكر أنه دخل الحرم قط.
وقال ابن عباس: «لقد جاء الإسلام ورأس الكبش بقرنيه في الحرم.
وقد تبين أنه دخل في الحرم ويزيد، أن إراقة دماء الهدي إنما صارت سنة موروثة في الأرض المقدسة.
فعلمنا أن أصل ذلك إنما كان ذبح إبراهيم، كما كانت سائر المناسك من إرث إبراهيم وابنه الذي كان بالحرم إسماعيل.
وأيضًا فإن الملائكة الذين بشروا سارة بالولد بشروها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب.
واعتقد إبراهيم أن ذلك كان لأن وعد الله حق.
فلو أمر الله تعالى بذبح إسحاق قبل أن يولد له يعقوب، إلى أن يعتقد أن يعقوب غير كائن من إسحاق.
واعتقاد ذلك اعتقاد الخلف من خبر الله تعالى، ولا يليق اعتقاد ذلك بأنبياء الله.
فصح أن الكلام لم يكن بإسحاق، وإنما كان بإسماعيل.
فإن قيل: قد بشر إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ولكنه الخبر أن يعقوب كائن من إسحاق.
فلعله لما بشر به ظن أنه كائن له من صلبه.
فلما أمر بذبح إسحاق لم يحتج إلى اعتقاد الخلف في خبر الله تعالى؟
قيل: إن الرجل لا يكون وراء ابن آخر، لأنهما جميعًا لصلبه ينسبان إليه نسبة واحدة، وإنما يكون ابن الابن وراء الابن لأنه لا ينسب إليه إلا بعد أن ينسب إلى الابن، فيكون ابن الصلب هو الذي يليه، ثم ابنه من ورائه.
فلما بشر إبراهيم بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقد بين أن يعقوب كان من إسحاق.
وأما ما رواه المحتج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال لصفية، فإن ثبت فقد يخرج أنهما افتخرا عليها بأنهما من قريش، وأن قريشًا ذروة الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن كان افتخارهما بالكفار ومن آبائهما، فأنت أحق بالفخر، لأن أباك هارون وعمك موسى فإنهما نبيان» .
والمفاضلة إذا كانت بين الأبناء ثم كانت في آباء أحد المتفاخرين نبي، فلم يكن في الآباء الآخرين وجه ذلك النبي من النسب إلا أب كافر لم يشكل على ذي عقل، أن عدو الله لا يعدل نبي الله.
فإن قيل: يقدمه عليه لآبائه الكافر، وإنما يقدمه عليه بإسماعيل، ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلّم - لصفية، إنما أبوهما إسماعيل وأبوك إسحاق.
فيكون ذلك دليلًا على ما أردت والله أعلم.
فإن قال قائل: لم امتنعتم من تقديم ولد إسحاق على ولد إسماعيل، وفي ولد إسحاق النبوة الدائمة إلى مبعث نبيكم - صلى الله عليه وسلّم -، ولم يكن في ولد إسماعيل نبوة إلى أن كان نبيكم - صلى الله عليه وسلّم - أنكرتم أن يكون من ولده نبيان أو ثلاثة أشرف وأكرم من ولد نبي واحد.
قيل ـ وبالله التوفيق ـ إنما أثبتنا ذلك من أوجه:
أحدهما أن أصل العرب والعجم، إذا كان إبراهيم صلوات الله عليه كما دعيت، وكان فخر النبيين به، ثم إن النبوة لما درجت منه إلى إسحاق، ومنه إلى أولاده وصارت لها شرائع غير شريعة إبراهيم، فكان من أهلها يهود ونصارى {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا} ولما درجت منه إلى إسماعيل ولم يزل بعد ذلك إلى أن أورثها الله محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - وأحبابه ما درس منها كان ولد إسماعيل في هذا الوجه، أمس لإبراهيم وأخص به.
وإذا كان جل الفخر به، وجب أن يكون أولى به، أحق بهذا الفخر والله أعلم.