ويقال لهم في الحدود: أخبرونا أي حد نزل النبي - صلى الله عليه وسلّم - عند إقامته بمكة؟ فإن ذكر أنه لم يقتل المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بتكذيبهم إياه في الإسراء.
قيل: أوقد رويتم أن قتل المرتدين كان مشروعًا ولن يستطيعوا أن يقولوا ذلك، كل حد ذكروه فإنهم لا يستطيعون أن يدعوا أن حدًا أشرع بمكة، وإنما شرعت الحدود عن آخرها بالمدينة لأن جماعها سبعة.
أولها: الكفر، وهو القتال والقتل والأسر والإسترقاق وبغنم الأموال.
ومعلوم أن الجهاد شرع بالمدينة، وإن هذه الأحكام كلها من توابع فرض الجهاد.
وثانيها: حد القتل ومعلوم أن آيات القصاص واحكام القتل المقرونة بها في سورة البقرة وهي كلها مدنيه.
وثالثها: حد الزنا: فأول ذلك الإمساك في الثبوت والتغيير، وهما مذكوران في سورة النساء المذكورة فيها أحكام القتال وهي مدنية، وآخرها الجلد المذكور في سورة النور التي ذكر فيها الإفك وذلك بالمدينة.
ورابعها: حد السرقة.
وخامسها: حد المحاربة وقطع الطريق وهما جميعًا مذكوران في سورة المائدة وهي مدنية.
وسادسها: حد الخمر وتحريمها في سورة المائدة وهي مدنية.
وسابعها: حد القذف وهي في سورة النور، وهي مدنية كما بيناه.
فكيف يجوز أن يقال إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يقم الحدود بمكة ولا حد إذ الحد ما شرع ولم يكن في ذلك الوقت شرع حد أصلًا.
(فصل)
فإن قال: رأينا المفتي والقاضي مسنين، ثم إن فتوى المفتي لا تلزم، وقضي القاضي يلزم.
وما أمرنا إلا أن القاضي قادر على القهر والإلزام بسلطنته.
والمفتي غير قادر على ذلك.
فالجواب: إن هذا هو الحجة عليه، لأن قضاء القاضي يلزم أهل عمله وإن لم يكن قاهرًا، بل لا يعلم في الدنيا قاض قاهر لأهل عمله، ورأس الإمامة القضاء، ولأجله يحتاج إلى الإمامة.
فإذا كان قضاء القاضي يلزم وليس بقاهر، فما أنكرت أن تولية الإمام وعزله يصحان؟ وإن لم يكن قاهرًا! فإن قال: القاضي ما هو بمن ولاه واستقصاه.
قيل: والإمام قاهر بالله - عز وجل - وهو أقوى ولاة، لأن الناس إنما عقدوا له، لأن من حكم الله تعالى أن يكون لهم إمام، وإن الإمام من كان بصفة كيت وكيت.
فلما رأوا فيه إمارات الإمامة التي يصفها الله تعالى لهم ليعرفوا الإمامة بها، ولوه وأمروه، فالله تعالى هو الذي ولاه، لذلك يقول عز وجل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} فلئن كان الإمام غير قاهر، والله الذي ولاه قوي قادر قاهر، وبالله التوفيق.