فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 1217

(فصل)

فإن سأل سائل: عمن آمن بالله ولم يؤمن برسله أيكون إيمانه بالله ناقصًا يتوقف على ما يصله به من الإيمان برسله، أو يكون فاسدًا غير صحيح، فإذا أراد الإيمان بالرسل احتاج إلى أن يستأنف الإيمان بالله!

قيل له: إن الاعتراف بالله تعالى بعض الإيمان به، لأن الإيمان به هو التصديق به والتزام عبودته وطاعته، فإذا صدق بالله ولم يلزم طاعته وعبودته كان آتيًا بعض الإيمان به فيوقف ذلك على ما يأتي به من البعض للآخر كما إن النصراني إذا لم يكن كفره إلا جحد نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلّم -، فإنه إذا آمن به تم إيمانه ولم يحتج إلى إستئناف الإيمان بالله وبأنبيائه وعيسى.

فلذلك من آمن بالله ولم يؤمن برسله فإنه إذا آمن بالرسل بعد، تم إيمانه بالله ولم يحتج إلى الإستئناف، وعلة هذا أنه ليس للإيمان وقت محصور تتعلق صحته، لكن الأوقات كلها وقت الإيمان، فهي على سعتها بمنزلة أضيق وقت منها.

ومعلوم أن من دعي إلى الإيمان، فأجاب إليه فإنه لا يأتي به إلا شيئًا فشيئًا، لأنه يبدأ مؤمنًا بالله ثم بنبيه - صلى الله عليه وسلّم -، ثم إتصل ذلك بما ينبغي أن يصل به، وكما يوقف الإيمان بالله على الإيمان بالرسل في المجلس الواحد، فكذلك يتوقف في العمر لأن الإيمان غير محصور بوقت، فالعمر كله بمنزلة المجلس، فإذا انقضى ولم يكمل حبط الموجود منه ولم يستوجب صالحة به آخر.

ومعنى ما قلت: إن الله - عز وجل - لما خاطب الناس بالإيمان، وبلغت عنه الرسل صلى الله عليهم صحت الإجابة إليه بمن سمع الدعوة فأجاب إليه في الحال وممن يسمع غيره مالًا، أو يستنكح امرأة، فإن أجابه قبل أن يتفرقا أو يحدثا أو أخذهما ما يشبه التفرق صح الجواب، فإن أجابه بعد التفرق لم يصح.

وذلك لأن الدعوة إلى دين الحق من حقها أن تدوم، ولا تكون وقتًا دون وقت، وإن كانت الدعوة ولم تختص بحال دون حال لم تختص للإجابة إليها بحال دون حال، فكذلك قلنا أن بعض الإيمان شيء واحد، أما ربنا ما نفى عليه تراضى عنه أو تدانى منه وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت