فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 1217

(فصل)

ومما يدخل في الصبر على الشهوات، ومما لا ضرورة بالعبد إليه، أن الله عز وجل، وإن كان قد أباح لعباده الطيبات، فإنه ذم الذين استمتعوا بالطيبات في هذه الدنيا ولم يروا شيئًا منها لوجهه، رجاء أن يعوضهم منه، ما هو خير منه من الطيبات الآخرة.

فقال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} .

واحتج عمر رضي الله عنه بهذه الآية مع علمه بأنها نزلت في الكفار، فقال لو شئت أن يذهبن لي لفعلت ولكني وجدت الله تعالى ذم قومًا، فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} .

فقد يحتمل أنه فهم عن الله - عز وجل - أنه أنكر عليهم توسعهم في لذات الدنيا، كما أنكر عليهم كفرهم، ثم جزاهم النار ببعضها لا بجميعها.

ومما حرم على المؤمنين كما حرمه على الكافرين، فقال عز وجل: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا * إِلاَّ مَن تَابَ} وهذه كالصلاة قبلها، والشهوات اسم للمشهيات وهي قسمان: حلال وحرام.

فالصبر على الحرام واجب، والصبر على الحلال التي لا ضرورة إليه مستحب، إذا كان إنما يقع عنه لئلا يصير النزوع إلى الطيبات الدنيا ولذاتها عادة، فيعمى القلب ويميل بالعبد عن طريقة التعبد، وتذليل النفس وقمعها إلى خلاف ذلك.

فتعسر عند ذلك العبادة، وتستعصي عليه النفس فيكون الصبر عن الحلال لوجه الله - تعالى جده -، فيرجى أن يعوضه الله تعالى عما صبر عنه ما هو أطيب وألذ وأنعم وأكثر مما ترك.

مع أن المتروك من جنس المنقطع الفاني والموعود من جنس الدار الباقي، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت