فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 1217

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)}

(القسم السادس باب القول فيمن يكون مؤمنًا بإيمان غيره ولا يكون)

نقول ـ وبالله التوفيق ـ إن ما ولد بين أبوين مسلمين فهو في عامة الأحكام مسلم.

وإن كان أبواه كافرين فهو في عامة الأحكام كافر مثلهما، فإن أسلما أو أسلم أحدهما وهو صغير، صار مسلمًا.

وإن أسلم الجد فقد قبل إسلامه كإسلام الأب ـ وقيل: يفارقه.

فإذا سبي الصغير من دار الحرب مع أبويه فدينه دينهما، وكذلك إن سبي ومعه أحدهما فدينه دينه، وإن لم يكن معه واحد من أبويه، فدينه دين سابيه.

وما يقال من هذا في الصغير، والقول في الكبير المعتوه مثله، ثم نذكر وجوه هذه الفصول بإذن الله وتوفيقه فنقول: إما اتباع ولد المسلمين أباهما فلأن الأمل في طلب النسل أنه طريق إلى استبقاء الجنس، والغرض من استبقاء الجنس إكبار المؤمنين بالله، والعابدين له، إذ كان الله - عز وجل - إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم» .

وإذا كان هذا هكذا، صح وقوع الأذن من الله - عز وجل - في طلب النسل، فحكم الولد بحكمها في الدين أيضًا، لأنهما إلى غرضهما من الزيادة في عدد المؤمنين به، ولم يتأخر ذلك إلى أن يبلغ المولود فتوجد حقيقة الإيمان والعبادة منه إذا كان يمكن أن يحترم قبل البلوغ، ويمكن إن بلغ أن يخالف الأبوين، فحكم له بحكمها عادلًا لما ذكرت والله أعلم.

وإنما ولد الكافر فإنما اتبعهما لأن غرضهما أيضًا من طلب النسل إكبار أهل الدين، إلا أن الدين عندهما فإنهما عليه فألحق بهما، كما يقر أهل الكتاب على ما هم عليه بالجزية، لأن عندهم: إن ما هم عليه هو الحق وإن كان الأمر بخلافه والله أعلم.

وأيضًا فإن الأبوين المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى الولد الذي هو جزء منهما، فكان الولد مؤمنًا من غير سبب إيمان، كما كان الأبوان طول عمرهما مؤمنين من غير كسب منهما في جميعه.

والكافر أيضًا إنما اكتسب الكفر وقتًا، فأدام الله حكمه لها بعد، في سائر الأوقات، وإن كان ذلك لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا إيمانًا كذلك عداه فيهما إلى الولد الذي هو جزء منهما.

فكان الولد كافرًا من غير كسب الكفر كما كان للأبوان طول عمرهما كافرين من غير كسب يكون منهما في جميعه والله أعلم.

وجاء في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» وقد اختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: إن المراد بالفطرة الدين الذي شرعه الله للخلق الأول الذي هو أصل هذا النسل، هو أبونا آدم عليه السلام.

وهو التوحيد الذي لا تشريك فيه ولا تشبيه، وإنما قيل على الفطرة لأنه أريد على الدين الذي كان عند ابتداء الفطرة وهي الخلقة والبنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت