فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 1217

(فصل)

وكل ما قلته في تولية غير العدل، فهو في العدل إذا أولى بغيره، وصار العدل مثله لا يختلفان والله أعلم.

وإن قال قائل: أليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ستدركون أمراء يؤخرون الصلاة إلى غير وقتها، فإذا كان كذلك، فصلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» .

فهلا علمتم بذلك أن الفسق بجامع السلطنة، لأن إخراج الصلاة عن وقتها فسق، ولم يبطل النبي - صلى الله عليه وسلّم - الإمارة.

فالجواب: إن هذا لم يجز في الإمامة، وإنما جاء في الإمارة، فيحتمل أن يكون هذا في مؤخر الصلاة والحرب دون القضاء وإقامة الحدود التي يحتاج منها إلى الرأي والنظر ولسنا ننكر أن يكون مثل هذا الأمير إن لم يكن عدلًا، كان أمره محتملًا.

وقد جاء أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة» ولم يدل ذلك على أن العبد يجوز أن يكون إمامًا.

واحتمل أن يكون في عبد قد أعتق كما يسمى مطلقة الرجل امرأته، بمعنى أنها كانت امرأته.

وفي الحالين كان مقصورًا على ما لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد والنظر وتنفيذ الحكم أو إقامة حد، أو أخذ صدقة أو قسمها، فكذلك هذا الحديث والله أعلم.

(فصل)

وإذا كان للناس إمام متفق عليه فجار وأسرف على الرعية واشتط في معاملاتهم، فإن الجور فسق.

فمن قال: إن قال: إن الفسق لا يناقض الإمامة، قال: على الناس أن يطيعوه فيما يجب عليهم فإن قدروا أن لا يجور فمن قال: الفسق لا على الامتناع ولا يخرجون.

ومن احتج لهذا، قال: قد جاء في فريضة الصدقة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «فمن سألها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه» فإنما أذن في منع الزيادة، وفي ذلك إيجاب رفع الأصل.

وإن لم يقدروا على منع الزيادة وخافوا سطوته كلهم أن يعطوه ما يريد كي يسلموا.

وإن كانوا إذا ناصبوه وحاربوه قدروا على أن يمنعوه ما لا يلزمهم، إن لم يخشى من ذلك ثوران فتنة أضر من جوره، فلهم ذلك.

وإن خافوا من ذلك لم يحل لهم قتاله.

وكان السمع والطاعة أولى لهم.

ومن قال: إن الفسق يناقض الإمامة قال: قد يعزل بالجور، فإن اعتزل فذلك، وإن ثبت مكانه ولم يخرج يده من أمور المسلمين بعد ما يدعي إليه صارت منزلته بعدما فسق من نفسه قبل أن يفسق منزلة باغ تجرًا على الإمام العادل.

وقد قلنا أن الباغي إن كانت له شوكة يقدر بها على الامتناع ثبت تأويله، وتعدت تصرفاته، فكذلك الإمام بعدما فسق، وإن كانت له منعة ثبت ما فعله وتعدت تصرفاته، وإن لم يكن له صنعة وأمكن خلعه خلع.

والاحتياط أن يدعي إلى خلع نفسه وتولية غيره، فإذا فعل ذلك، ما أمر أهل العقد، فقد تم الأمر وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت