وأما الوجه الذي قبل هذا، وهو أن يشتري الرجل طعامًا أكثر من حاجته أو لباسًا أو خادمًا أكثر من حاجته، فليس هذا من السرف الموجب للحجر والوقف، لأنه يستبدل بالملك ملكًا يوارثه.
وإنما يقع الإسراف منه في الانتفاع بما ملكه.
فأما التملك فإنه قصد بغي فيه ولا سرف.
وجاء في الاقتصاد في الإنفاق: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن يشتري الخدر» .
وقد يحتمل أن يكون الإسراف فإن وجه الأرض إنما يشترى لأن الأقدام قد تنقل إليه ما يحتاج إلى التحرز منه.
وقد يصر فيتعلق غباره بالثوب فينسج منه.
وليس ذلك في الجدار، لأن الإقدام لا تبلغه، ولا يكون في الغالب عليه من الغبار اللاصق بالثوب ما يكون على وجه الأرض.
فكان يتميزه داخلًا في الإسراف إن كان لا يزاد إلا بالتنعم دون الحاجة.
ويحتمل الحديث وجه آخر، أرى أنه أولى من هذا، وهو أن يكون النهي عن ستر ظواهر الحدود دون البواطن التي تلي موضع الشكر.
ويكون وجه النهي إن هذا شيء خصت به الكعبة تعظيمًا لها لأنها بيت الله فلا تشبه غيرها بها.
ولا يسرك غيرها فيما هو حقها فيذهب بذلك تكريمها وتعظيمها.
وعن الحسن قال: بينما مجاشع في المسجد إذ جاءه رسول من عمر رضي الله عنه: أما بعد فإنه قد بلغني أن الحصير قد سترت، فإذا جاءك كتابي هذا، فلا تضعه من يدك حتى تهتك ستورها.
فقال لمن حوله: قوموا فانطلقوا، فتلقته امرأته.
فقال لها: إليك عني إمضينني أمضك الله، ثم قال لمن معه: هتك رجل ما يليه.
قال: فهتكت ستورها حتى وضعها إلى الأرض.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: صنعت للنبي - صلى الله عليه وسلّم - فراشين، فأبى أن يضطجع إلا على واحدة.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «فراش للرجل وفراش لامرأته، وفراش للضيفة والرابع للشيطان» .
وعن الحسن رضي الله عنه، إن عمر رضي الله عنه دخل على عاصم وهو يأكل لحمًا فقال: ما هذا يا عاصم؟ قال: قرمت إلى اللحم، فاشتريت! قال: كلما قرمت إلى اللحم اشتريته، كفى بذلك سرفًا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «ما أنفقتم على أهليكم من غير إسراف ولا إقتار فهو في سبيل الله» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: للخرق في العيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يبقى مع الفساد شيء ولا يقل مع الإصلاح شيء.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «كيلوا طعامكم يبارك لكم» .
وارتقى رجل إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، فذهب يدخل فإذا هو به يلتقط الحب، فاستحى منه فرجع.
والذي سبق إلى القلوب أن العلم بأن الرب مالك الأرزاق وهو الباسط المقدر بتعب العبد على التوسع في الإنفاق لا على الاقتصاد، بأن الاقتصاد خوف على المال.
فإذا لم يكن تدبير الرزق على العبد، بل كان إلى ربه لم يعنه الاقتصاد.
فكان التوسع الذي هو أطيب لقلبه وأنعم لعيشه أولى به.