فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 1217

فصح أن الإسلام والإيمان إسمان لدين واحد، وإن كانت حقيقة الإسلام التسليم، وحقيقة الإيمان التصديق، وأن اختلاف الحقيقة فيهما لا يمنع أن يجعلا اسمًا لدين واحد، كالغيث والمطر هما اسمان لمسمى واحد، وإن كان حقيقة الغيث في اللسان غير حقيقة المطر.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «لي خمسة أسماء، أنا محمد وأحمد والماحي والحاشر، والعاقب» ، ومعلوم أن لكل اسم من هذه الأسماء الخمسة معنى وحقيقة سوى الذين هو فيها لغيره.

ثم لم يمنع ذلك من أن يكون اسمًا لمسمى واحد.

فكذلك الإسلام والإيمان.

ثم بين أن بين حقيقة اسم الإيمان وحقيقة اسم الإسلام من التناسب ما ليس بين حقائق هذه الأسامي التي وقع الاستشهاد بها، لأن الإيمان إذا كان هو التصديق بالله، والتصديق بالله يقتضي الإيمان له بالطاعة، وذاك هو الإسلام.

والإسلام له لا يكون إلا مع التصديق.

فأما التكذيب فإنه من موانع الإسلام دون حواليه.

فصح أن الإسلام إيمان، والإيمان إسلام.

فإن قيل: فإن كان هذا هكذا! فلم فصل في الحديث بين الإسلام والإيمان؟

قيل: وقد فصل بينهما وبين الإحسان.

أفيدل ذلك على أن الإيمان والإسلام ليسا بإحسان؟ وقد قيل في أول درجات الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا.

ليدل ذلك على أن إخلاص العبادة لله ومجانبة الشرك والرياء ليس بإيمان.

فإن كان لا يدل على ذلك، فلذلك لا يدل على ذلك! كذلك لا يدل على أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليسا بإيمان، وإنما فصل بينهما ـ والله أعلم ـ لأنه أريد بالحديث: الإيمان الناقل عن الكفر، والإيمان التابع له.

فسمي أسبق الإيمانين إيمانًا بالإطلاق، أو أحدهما إسلامًا.

أو بقول فصل بين صريح التصديق وبين إماراته، فسمي صريحه إيمانًا وسميت إماراته إسلامًا.

أو بقول فصل بين ما هو إيمان بالله، وما هو إيمان لله.

فسمي الإيمان بالله إيمانًا بالإطلاق، وسمي الإيمان لله إسلامًا.

وإلا فالاسمان موضوعان لدين واحد، والله أعلم.

وجواب آخر: أن يقول اختلفت الروايات في ذكر الإيمان والإسلام.

فقيل في بعضها: «قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت.

فقال: ما الإسلام؟ قال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت والغسل من الجنابة».

وهذا يومئ إلى أن يكون الإيمان هو الخصال الناقلة عن الكفر، والإسلام هو الطاعات التي تصح وراء الانتفاء عن الكفر، وهي شرائع الإيمان.

وقيل في بعض الروايات: «ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، إلى آخره.

قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر».

وهذا يوجب أن يكون الإيمان هو الاعتقاد بالقلب، وأن يكون الإقرار مع سائر الطاعات من جملة الإسلام، ويكون الإسلام غير الإيمان.

وهذا يلتحق بالمقالة التي بدأت بالكلام عليها، إلا أن فيه على أهل هذا القول ـ الذي نتكلم عليهم ـ حجة، وهي أنه لا خلاف بيننا وبينهم أن الشهادة إيمان كالاعتقاد، وقد سميت في هذا الحديث إسلامًا، وألحقت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

فقد وجب بذلك أن يكون الإيمان والإسلام اسمين لدين واحد، وأن تكون الطاعات كلها إيمانًا.

غير أن الإيمان ما بطن والإسلام ما ظهر، ثم هما جميعًا إيمان، لأنه لا صحة للباطن إلا بالظاهر، ولا بالظاهر إلا بالباطن.

وهما جميعًا إسلام، لأن كل واحد من تقويم الظاهر والباطن إذعان لله وخضوع، ولا يكون ذلك إلا مع التصديق.

وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت