(باب في الإحسان إلى المماليك)
قال الله عز وجل: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان آخر ما يتكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم، فجعل يتكلم وما يفيض به لسانه.
وروى أنه كان يقول: «الصلاة، الصلاة، اتقوا الله وما ملكت أيمانكم» فأوصى الله تعالى عباده، ثم الرسول - صلى الله عليه وسلّم - آمنه.
فالمماليك كالأوصياء بالوالدين والجيران وكالأوصياء بالصلاة.
فدل ذلك على وجوب الإحسان إليهم، وتحريم التحامل والجور عليهم، فأول ذلك أن لا يقول أحد لذكر منهم عبدي، بل يقول: فتاي.
ولا يقول للأنثى: أمتي بل يقول: فتاتي.
بهذا جاء الخبر أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -.
وهذا يجمع معنيين: أحدهما أن العبودة بالحقيقة لله عز وجل، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظمًا عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضاف الله تعالى به إليه، وذلك غير جائز.
والآخر أن المملوك ربما دخله من أن يقول له مثله، هذا عبدي فيستذله ويستصغره بما يجد بدًا عنه، ولا يجدي على قائله شيئًا.
ولعل ذلك مما ينفره عنه.
فيحمله على اباق وسوء طاعة أو غير ذلك، مما قد ابتلى الناس به من مماليكهم إذا كرهوهم، فكان الأولى بالسادة أن يتجنبوا ذلك إلى ما هو أحسن، ومن معاني التعبير أبعد وإلى التآنس والتسكين أقرب، والله أعلم.
والذي يتلو هذا، أن لا يكلفه ما لا يطيق ولا يجوعه، ولا يعذبه، ثم أن لا يعذبه من غليظ القول بما يشق عليه ولا من الضرب بما ينهكه إلا أن يصيب حدًا فيقيمه عليه، وهذه كلها عزائم.
ثم إن الأولى به أن يتحمل عنه بعض العمل ولا يقله جميعًا عليه.
وأن يطعمه مما يطعم، ويكسوه مما يلبس، ولا يكلفه من الكسب ما يشبه وينبوا طباع الناس عنه، ولا يضر به أصلًا، ويدافع بما أمكن، ونهيًا.
فإن ضربه حيث يكون له ضربه ولم يصفعه، ولا يترفع عن مواكلته، بل يجلسه معه إلى جنبه، ولا يكلفه القيام بين يديه وعنده.
فأما إن أجهده بذلك فهو حرام عليه، وينبغي له إذا لم يرض خلقه أن يتبعه، وفرض ذلك عليه، إذا لم يتق عن نفسه بالامتناع عن ظلمه.
وإذا ارتضى خدمته زاد في الإحسان عليه، فإذا تطاولت الأيام عليه، ورأى منه أنه ينصح له ويؤدي الأمانة إليه زوجه إن علم حاجة به إلى التزوج، فإن علم لنفسه عنه غنية أعتقه، وأن يعتقه متبرعًا أحسن وأجمل أن يلزمه بدلًا، وإذا اشترى رجل به عاهة مستقذرة عبدًا ليخدمه، فإن كره العبد صحته، فليبيعه.
وإن اشترى جارية فكرهت أن يمسها أو يضاجعها، فلا يمسها ولا يضاجعها ولا يطأها إلا بإذنها، ويبيعها إن أرادت ذلك.