(فصل)
وإذا ارتزق القاضي لم يسعه أن يصيب وراء ذلك من رعيته شيئًا.
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه عليه شيئًا، فما أصاب بعد ذلك أو فما سوى ذلك فهو سحت» .
وإن أهدى إليه شيء لم يكن له قبوله، فإن كان المهدى من قبل خصومة فأهدى ليحكم له، أو لئلا يحكم عليه، فهذا هو الرشوة، وهي سحت.
لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - الراشي والمرشي.
فالراشي وهو الذي يمشى بينهما.
وإن أهدى إليه المحكوم بعد الحكم شكرًا لم يقبل، لأن ما فعل كان واجبًا عليه.
(فصل)
وإذا تحاكم إلى حاكم المسلمين موادعون، كان بالخيار بين أن يحكم بينهم وبين أن يدعهم.
وإن جاءه أحد الخصمين يستعدي على الآخر لم يعده كما يعدي المسلم.
وقال: إن جئتما متراضين بحكمى، حكمت بينكما.
وإن كان المستعدي مسلمًا أعداه، فإن رضيا بحكمه، فلم يحكم حتى يرجعا، تركهما.
وإن حكم بينهما ثم أتى المطلوب أجرته، وإن احتاج إلى قتاله فأمكنه، وإن تحاكم إليه ذميان، فقولان: أحدهما أنهما كالموادعين.
والآخر أنهما كالمسلمين.
وإذا حكم بين ذميين أو بين موادعين لم يحكم إلا بحكم الإسلام، لم يسعه غير ذلك.
(فصل)
ولا ينبغي للقاضي المرتزق من بيت المال أن يشغل نفسه عن أهل المظالم بالتجارات ونحوها، ولا لقاض مرتزق أو غير مرتزق أن يتولى البيع والشراء لنفسه، لئلا يتقرب إليه بالشراء بأكثر من الثمن إذا باع، والبيع بأقل من الثمن إذا اشترى.
ولا يتخلف عن الوليمة إذا دعاه إليها من لا خصومة له عنده، ولا يجيب بعضًا ويدع بعضًا، بل يعم ولا يخص، أجاب أو رد بعينه.
ويسأل أن يحلل ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويأتي الغائب عند قدومه، ومن يريد السفر عند مخرجه.
وإن دعاه ذو رحم وقرابة فليجب، وليس منزلته في ذلك كمنزلة الأجانب من أهل العلم، والله أعلم.