{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }
(باب في شح المرء بدينه)
متى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر؟ وذلك لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يحب القوم، لا يحبهم إلا لله عز وجل، والرجل إن قذف في النار كان أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا» .
فأبان - صلى الله عليه وسلّم - بهذا الخبر أن للشح بالدين من الإيمان، لأن ذكره الحلاوة وليس الإيمان مما يطعم، دليل على أنه ضرب الحلاوة مثلًا للإيمان، وأراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم للشيء الحلو فكما ـ أي الراغب في الحلو ـ لا يجد حلاوته فيلتذ بها إلا بتطعمها، كذلك الراغب في الإيمان لا يسلم مقصودة منه، إلا بأن يكون شحيحًا به، فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت ما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه والله أعلم.
ويأتي في هذا الباب ما اقتصه الله تعالى من خبر شعيب النبي - صلى الله عليه وسلّم - إذ قال له قومه: {لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} .
فإن في الجواب عدة معاني مرجعها كلها إلى الشح بالدين:
أحدها: أن شعيبًا عليه السلام سمى مهانته، المستكبرين من قومه نجاة قومه وقد علم أن ضد النجاة الهلكة، ومن كان عنده: أن الكفر هلكة والإيمان نجاة، لم يكن شحيحًا إلا على دينه.
والثاني: أنه أشار بقوله على الله توكلنا إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى، فإن العصمة من الجلاء عن الوطن، فذلك فضله، وإن جلاءهم وما يهمون به من إخراجه بالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين، وهذا من الشح بالدين، لأن الله - عز وجل - جعل بالجلاء عن الوطن بمرتبة القتل.
فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} .
فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة.
قال: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} .
فأخبر أنه إنما لم يسلط النبي - صلى الله عليه وسلّم -، والمسلمين على أولئك اليهود فيقتلونهم بل بأسيافهم لأنه كتب عليهم الجلاء.
فبان أن الجلاء نظير القتل إذ كان يقوم في مستحق العذاب العاجل مقامه.
وإذا كان كذلك، وقد امتنع شعيبًا النبي - صلى الله عليه وسلّم - مما ورد عنه بعدما توعد بالجلاء، فقد أظهر الشح بالدين، فلذلك ينبغي لغيره أن يكون.