وصارت منزلة ما قلنا من أن الحاجة إذا وقعت إلى الإمام وعدم النص وجب العلم فيه بما يمكن منزلة، ما أجمع المسلمون عليه من الله - عز وجل - لما فرض على الناس من البيت استقباله إذا صلوا، ولم ينص لهم على مثال يجدونه ليفهم أن ينتهوا في معرفة القبلة إلى أقصى ما يقدرون عليه، فصاروا إلى الاستدلال بمهب الرياح وبالجبال وبالشمس والنجوم.
لأنهم لم يستطيعوا أكثر منه.
فكذلك إذا خلوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلّم - واحتاجوا إلى الإمام، ولم يكن عندهم إلى أحد نص، لزمهم أن يصروا في تعيين من يتولى أمرهم إلى أقصى ما يقدرون عليه من التحري ثم يعملوا عليه، والله أعلم.
والمستدلون على الإمام لا يمثلون الذين يختارونه بغيره بجمع وصف أو أوصاف بينهما؟
قيل: قد بان أن يقال أنهم يفعلون ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ما عاش فهو الإمام فإذا صار إلى ما أعد الله له من كرامته كان أولى الناس بأن يقوم مقامه من يكون أشبه من معاني الصلاح والإستصلاح به.
وذلك يعرف بالاجتهاد.
على أنه بهذه الصفة كان بأن يؤمروه على أنفسهم أحق.
فإن قيل: كيف يجوز أن يصح هذا؟ فالنبي - صلى الله عليه وسلّم - إن كان فيهم وليهم بالنبوة، والنبوة لا توجد فيمن تقام مقامه من بعده، ولا يمثل شيء بشيء ليحكم له بحكمه، إلا بعد أن يكون معنى الأصل موجودًا فيه.
قيل: والكعبة إنما تستقبل عند الحضرة بالعيان والعيان نابت مع الثاني، ثم لم يمنع ذلك من تمثيل حال الغيبة بحال الحضرة، إذا أجمعت بعض الإمارات التي لا تختلف دلالتها بين الحالين.
فلذلك النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فإن كان يطاع ويتبع للنبوة، فإن النبوة إن لم توجد فيمن يجتمع عليه من بعده، فلذلك لا يمنع من يمثله في وجوب الطاعة به إذا قدر من معاني الصلاح والإستصلاح فيه ما كان مستيقنًا منهما في النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وبالله التوفيق.
فإن قيل: لو جاز أن يقام بعد النبي - صلى الله عليه وسلّم - أحد مقامه بالاجتهاد لم يقدر فيه من معاني الصلاح والإستصلاح، جاز أن يتخذ أحد في حياته إمامًا إذا قدر فيه من معاني الصلاح والإستصلاح.
قيل: أيفعلوا؟ فمن قال؟ ولو جاز أن يصلي عند النأي عن البيت إلى جهة من الجهات، أتقدر ببعض الإمارات من أن القبلة فيها، لجاز أن يصلي عند الحضرة بمثل هذا الاجتهاد، لا يتكلف العيان، وإن كان ممكنًا فيتطرق بهذا إلى المنع من الصلاة في حال تعذر العيان.
فالاجتهاد، فإن كان هذا لا يلزم ولا يدل المنع من التحري عند إمكان العيان على المنع منه عند العجز عنه، فكذلك ما قلتموه لا يلزم، ولا يدل المنع من نصب الإمام بالاجتهاد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلّم - على المنع منه بعده وبالله التوفيق.