فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 1217

فإن قيل: ليس شيء من هذا بطاعة؟

قلنا: ولا قلنا إن طاعته واجبة بالإطلاق.

وإنما قلنا: أنها تجب تقية له، ووجوب التقية في الظاهر لا تمنع من الاحتياط الذي في الباطن والله أعلم.

وأيضًا فقد قلنا: إن أمكن عزله بلا فتنة وجب، وإذا أمكن ترهين أمره سرًا بلا شر يحدث، فكيف لا يجب أو لا يجوز؟ والله أعلم.

(فصل)

وأما ما لا يتصل بأمر السلطان من هذا الباب، فهو أن أهل البلد إذ أخرجوا للجهاد، فينبغي لهم أن يخرجوا معًا ولا ينقصوا، فيتبدد عقبه ويخرج عصبه.

ولا ينبغي إذا أقيمت الصلاة أن يأتيها فريق ويشذ عنها فريق بشيء في نفوسهم، أما من الصلاة، وأما من طريق آخر، ولا ينبغي لهم إذا تفرقت بهم مذاهب الاجتهاد في أحكام الدين أن يتهاجروا ويتباينوا ويتعادوا ويتباغضوا، لاختلاف مقالاتهم، بل يعذر بعضهم بعضًا، ويعلموا أن الاجتهاد لا يؤدي المجتهد إلى ما يحبه ويهواه، ولكن إلى ما جعل طريقًا إليه، ود إلا يأذن الله عليه، فلا يحسبوا اختلاف الرأي خلافًا ولا إفراقًا، ويقتدوا في ذلك بالصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يختلفون ثم لا يتباغضون ولا يتهاجرون.

معنى لزوم الجماعة في هذا لزوم الأمر الجامع، وترك الخوض فيما يفرقه، إتيان أبدى كل واحدة من الفرق وإعجازهم عن القيام بنصرة الدين وأطماع الأعداء أو المخالفين.

وكفران نعمة الله تعالى التي أنعمها على النبي - صلى الله عليه وسلّم - إذ يقول وقوله الحق: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} .

وقال: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

وأنهم إذا ساروا بعد النبي - صلى الله عليه وسلّم - إلى ما كانوا عليه قبلت قلوبهم منعه من التخريب والتفرق واستحبوا العادة الجاهلية على العادة الشرعية، فلا يؤمن إذا أسكنت نفوسهم ذلك وضربوا عليه أن يبتغوا أشكالها من الأمور القديمة المكروهة شيئًا فشيئًا، حتى ينسلخوا من الدين، ولعل ذلك هو الذي أشفق النبي - صلى الله عليه وسلّم - منه عليهم حين قال: «ألا لا تعودون ضلالًا» أو قال: «كفارً يضرب بعضكم رقاب بعض» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت