فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 1217

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ...(111)}

(فصل)

والجهاد فرض بجميع المال والبدن، ولهذا قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} .

وقال: {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

وقد جاءت بالحث على بذلهما في سبيل الله عز وجل، وفضله أخبار كثيرة، وتكلم أهل العلم في ذلك، وفي وجوب أحكامه، فأكثروا لما جاء في هذا الباب حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم: أي العمل خير؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله.

قال: فأي الرقاب خير؟ قال: أرأيت إن ضعفت عن ذلك، قال: تدع الناس من شرك فإنها صدقة تصدقها على نفسك».

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «ما أفضل الأعمال؟ قال: جهاد لا غلو فيه، وحجة مبرورة.

قيل: فأي الصلاة أفضل؟ طول القنوت.

قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عليك».

روي أنه - صلى الله عليه وسلّم - سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها: قيل فما يلي أثر ذلك؟ قيل: بر الوالدين: قيل: فما يلي إثر ذلك؟ قال: الجهاد» .

وفي حديث آخر قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة لوقتها: قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين» .

ففي هذا تقدم الجهاد على بر الوالدين.

وفي الذي قبله تقديم بر الوالدين على الجهاد.

فذكر إمامنا الذي هو أعلى من لقينا من علماء أئمة عصرنا صاحب الأصول والجدل، وحافظ الفروع والعلل، وناصر الدين بالسيف والقلم، والمربي بالفضل في العلم على كل علم، أبو بكر بن محمد بن علي الشاشي رحمه الله، في جملة ما خرج هذه الأخبار عليه أن القائل يقول: خير الأشياء كذا، لا يزيد بفضله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن أنه خيرها في حال دون حال، ولواحد دون آخر، كما قد يتضرر واحد بكلام من غير موضعه فيقول: ما شيء أفضل من السكوت، أي لا يحتاج إلى الكلام، ثم يتضرر بالسكوت.

فيقول: ما شيء أفضل للمرء من أن يتكلم بما يعرفه.

فيجوز هذا للإطلاق كما جاز للأول.

ويقول القائل: فلان أعقل الناس وأفضلهم، يريد أنه من أفضلهم وأعقلهم.

وروى خياركم خيركم لأهله، بل يكون ذلك على معنى: أي من أحسن معاشرة أهله فهو أفضل الناس.

وقيل: شراركم عزابكم أي من شراركم لأنه وإن كان صالحًا فإنه معرض نفسه للشر غير آمن من الفتنة.

وإلا فالفساق شر منهم، وفي العزاب صالحون.

وروى: ما من شيء أحق بطول السجن ممن أشان، وقد يكون الفاسق المفسد أحق بذلك منه.

وروى: ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق، ومعلوم أن الصلاة والجهاد أعلى منه.

وروى: خياركم إليكم مناكب في الصلاة.

وقد يوجد لين المنكب فيمن غيره أفضل نفسًا ودينًا منه.

وإنما هو كلام عربي يطلق على الحال والوقت، على إلحاق الشيء المفضل بالأعمال الفاضلة على أنه أفضل من كذا وكذا، لا من كل شيء غيره.

ويقال في المثل: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يكون فيمن بعد عنه من هو أزهد، وأكذب الناس القريب.

فيطلق على الغائب، وعلى معنى أن أولئك من أزهد الناس، وهذا من أكذبهم.

وقد يحضر المسجد سباق ومسبوق، فيقال: خيركم السابق، ولعل في المسبوقين خير منه.

ولكن المعنى: بيان ما في السبق من الفضل.

وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» .

فكان معنى ذلك أنهم في الجملة خير من غيرهم.

وقد يوجد فيمن يخلف عنهم أفضل من بعضهم، إلا أن ذلك عند التفضيل.

وعلى هذا ما يروى من جواب النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن العمل الذي يدخل الجنة، روي أنه قال للسائل (لا تغضب) .

وروي أنه قال لبعضهم: «أعني على نفسك بكثرة السجود»

وهذا ـ والله أعلم ـ على أن الواحد قد يكون معتدل الجانب في أكثر الخصال، ثم يغلب عليه خلاف ذلك في بعضها، فيخاف عليه منه، فينهى عنه على معنى أنه إن ترك تلك الصلاة، الخصلة لم تكن فيه وراءها ما يذم.

وقد يكون أكثر ما يخاف منه الضرر على الدين في بعض الأوقات ترك الجهاد.

فيقال: أفضل الأعمال الجهاد.

وإذا عود الأسباب باجتماع الكلم والمعاون على حماية الجورة وصلة الرحم، أي في ذلك الوقت، ثم يقع الأمن، ويبيد العدو، فيكون الإقبال على تعلم القرآن ودرسه أفضل، فيقال: أفضل الأعمال قراءة القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت