فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 1217

(فصل)

وأما التقديس فدلالته: أن القديم لو أشبه المحدث في صفاته لبطل أن يكون قديمًا، لأن شبه المحدث لا يكون إلا محدثًا، كما أن شبه الطويل لا يكون إلا طويلًا، وشبه الأسود لا يكون إلا أسود.

فلما وجب أن يكون الصانع قديمًا، بطل أن يكون لخلقه شبيهًا.

وأيضًا فإنه ليس في الأفعال فعل يشبه فاعله، ولا فاعل يشبه فعله، فعلمنا أن الباري - عز وجل - لا يشبه خلقه، وإن شيئًا من خلقه لا يشبهه، وبالله التوفيق.

(فصل)

ونقول: إنا كما وجدنا في السماء والأرض آثار الحدث، علمنا بذلك أنهما محدثان، فلذلك وجدنا فيهم آثار التدبير المتقن السديد، فعلمنا أن محدثهما الذي كان أول تدبيره الإنشاء والاختراع حي عالم حكيم، وأنه هو الذي يدبرهما بعد الإنشاء بما هما عليه، ويبلغهما مشيئته التي كانت له في إنشائهما وخلقهما.

فإن قيل: وما آثار التدبير؟ قيل: أما السماء فحملت الأفلاك بما رتب في كل فلك منها من النجوم والبروج، فلك فيه الكواكب الثابتة فلك، وكل كوكب من الكواكب السيارة فلك.

وللفلك من الفلك بُعْدٌ معلوم، ولكل فلك استدارة معلومة ودرجات معلومة، ولكل كوكب سير وجد فيه معروفه، وللشمس والقمر من بينهما من الاختصاص بالضياء والنور ما ليس لغيرهما، فإذا كانت الشمس فوق الأرض فذلك النهار، وإذا كانت تحت الأرض فذلك الليل.

ولفصول السنة من التعلق الظاهر: تسير الشمس ما لا تخفى، فإنها إذا تحركت من أول الحمل إلى أن تبلغ آخر الجوزاء فالزمان ربيع، وإذا تحركت من أول السرطان إلى أن تبلغ آخر السنبلة فالزمان صيف، وإذا تحركت من أول الميزان إلى آخر القوس فالزمان خريف، وإذا تحركت من أول الجدي إلى آخر الحوت فالزمان شتاء.

ويظهر في الربيع اليسر والنمو وتزهر الأشجار وتظهر الثمار ثم نضجها وإدراكها ما بين أول الربيع إلى أوائل الخريف ثم تعبر الحر ويظهر البرد، فلا يزال يقوى ويشتد حتى لا يبقى على الأشجار ورقة، وتتابع الانداء، وتجمد المياه، وكل ذلك أمور تكرر سنين لا تحصيها العباد، وجرى فيها على وتيرة واحدة لم ينقص فيما بينهما في شيء منها عادة قط.

ودون السماء السحاب المثقل بالماء تسوقه الرياح، ثم ينزل منه ما ينزل أكامًا، جعله الله حياة للناس وعامة الحيوانات وبعدها للأرضين الموات وإما ثلجًا وإما بردًا، وفي كل منهما منفعة وفائدة لا تنقضه ويعتده ويمنع من أن يسوغ إليه الإنحلال، فيستقبل به أيام القيظ على تبريد الماء الذي لا يمكن شربه على ما هو عليه من السخونة المفرطة.

فيجتمع إلى مسكن العطش به إطفاء بوائر الأمراض، والتحرز به من كثير من الحوادث والأعراض.

ودونها أيضًا الرياح اللواقح والسوابق للفلك من البحار والأرض التي هي قرار ومهاد، وللأحياء والأموات كفات وفيها أعواد وفي للماء الذي فيه الحياة معادن ومنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت