وإن سأل عمن تمنى أن لو كان نبيًا ما كان حكمه؟ قيل له: أما إن تمنى أنه لو كان في ذلك الوقت نبيًا لكان هو ذلك النبي فإن هذا لا يضره.
وهكذا لو تمنى إن كان الله تعالى قدر أن يكون من جملة أنبيائه، ولو تمنى رجل في زمن نبي من الأنبياء أن لو كان هو النبي دون الذي هو نبي بالحقيقة، كفر.
وهذا سوء رأي منه في ذلك النبي.
وإن تمنى في زمان نبينا - صلى الله عليه وسلّم - وبعده أن لو كان نبيًا كما ذكرت.
ووجه آخر وهو أنه يتمنى إن لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلّم - شرف ختم النبوة وهذا كفر.
فما معنى إفراد باب آخر لترك الحسد والغل؟
فالجواب: أن ذلك الباب إنما هو في أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير فيسعى له فيه ليحصله لمن أراد ذلك منه، واستسعاه فيه، ولا يسعى في خلافة عليه ويكره له ما يكره فيه لنفسه من الشر، فيسعى له في دفعه عنه لمن أراد ذلك منه، وأظهر له الرغبة فيه، ولا يسعى في خلافة عليه.
وهذا الباب مقصود على التمني دون الفعل، وهذا فرق ما بين الناس.
وأما ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله علمًا وهو يعلمه الناس، ورجل أتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار» .
فيحتمل أن يكون المراد به الغبطة، فسماه حسدًا لأنه يقرب منه، وإن لم يكن به.
وذاك إن الحاسد يتمنى أن يكون له ما هو للمحسود، والغائظ يتمنى أن يكون له مثله فسمى أحدهما باسم الآخر تشبهًا وتوسعًا.
ولا ينبغي أن يتهاجر مسلمان.
فقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا.
ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، يصد هذا؟ ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر فيهما لمن لا يشرك بالله شيئًا إلا المهتجرين يقال: ردا هذين حتى يصطلحا» .
معنى هذا أن من لا يكن مشركًا فقدمنا له المغفرة ما لم يكن متهاجرًا لأخيه المسلم، فإنه إذا كان كذلك لم تنله المغفرة، وإن لم يكن مشركًا، وليس المعنى أنه لا يبقى أحد دون المشركين إلا ويغفر له كل اثنين وخميس.
وأما وجه الحديث ما يثبت له، والله أعلم.