(باب الإيمان بالله واليوم الآخر)
ومعناه التصديق بأن لأيام الدنيا أخرى، أي أن الدنيا متصفة وهذا العلم يومًا ينتقض صنعه، وينحل تركيبه في الاعتراف بانقضائه اعتراف بإبدائه، لأن القديم لا يفنى ولا يتغير، وفي اعتقاده وإنشراح الصدر به، ما يبعث به على فضل الهبة من الله تعالى وقلة الركون إلى الدنيا والتهاون بإحزانها ومصائبها والصبر عليها، وعلى مضض الشهوات إحتسابًا وثقة بما عند الله تعالى من أحسن الجزاء والثواب، وقد ذكره الله - عز وجل - في كتابه، فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} .
وقال: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} .
إلى غير ذلك من ايات سواها.
ومن أنكر اليوم الآخر، فكأنما أنكره من حيث إن الأفلاك ليست بمحدثة، وأن العناصر وهي الماء والتراب والهواء والنار ليست بمحدثة، كان أهم ذلك إلى أن أنكروا فناءها واقتصاصها، وللمسلمين عليهم في نقض أصولهم، وإفساد مقالاتهم، وإبانة أن كل ما سوى الله فهو صنعه، فلا قديم عليه ما لا يبقى لمتأمله بعد وقوعه عليه موضع شبهة بإذن الله وتوفيقه.
وقد كتبنا في الشعبة الأولى من أطراف ذلك ما أمكنا أن يقع به الكفاية، وإذا ظهر أن كل ذلك حدث، فأمره إلى محدثه بنفيه ما شاء ويديم له هباته المشاهدة له ما يشاء.
فإن أراد إفناءه أو تغيير كله أو بعضه لم يعجزه، فإنه القادر على ما يشاء والفعال لما يريد.
وقد أخبر - عز وجل - على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أنه مفني على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وكل ذلك كائن على ما جاء به الخبر، وعد الله صدق وقوله حق.
وأما ما وراء ذلك مما لم يخبر الله - عز وجل - عنه بشيء، فأمره إليه، وهو أعلم بما هو فاعله.
ولا ينبغي لنا أن نتكلم فيه بشيء لأن القول على كل حال بغير علم حرام، فالإجتراء به على الله جل ثناؤه أشد وأولى بالحرمة.
أعني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا إنتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلّم - للذي سأله عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
فإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجملة يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن غير ذلك فله الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير.