ومنها إنطاق النبات لسليمان صلوات الله عليه، فقد روي أنه كان إذا أصبح كل يوم رأى حشيشة جديدة، قد نبتت بين يديه، فيقول لها: ما أنت ولما أنت؟ فتقول: أنا كذا وأصلح لكذا، فلما كان اليوم الذي نبت فيه الخروب قال سليمان: قد أذن الله في خراب هذا المسجد.
ومثل هذا لا ينكر للأنبياء، صلوات الله عليهم، لأن آياتهم لو كانت من جنس الأمور المعهودة المألوفة لم يكن لهم فيها حجة لأنهم محتاجون إلى ما يميزهم عن غيرهم، والتمييز لا يقع بالأمر المشترك فواجب إذا أن تكون آياتهم كلها مباينة للعادات.
وأَيضًا فإن الذي يقدر على أن ينطق غير النبات لا يعجزه أن ينطق بالنبات.
قيل: إن الذي يسمى آلة النطق ليس شيئًا يقتضي النطق بكل حال، لأنه لو كان لذلك، لما جاز أن يوجد ذو لسان أخرس، وفي وجودنا ذاك دليل على أن الله تعالى وضع للناس فأجراهم عليها في أن لفظهم يكون باللسان، وإلا فاللسان والأصبع في جماد أن ينطقه الله فينطق سواء.
وكذلك ما له لسان وما لا لسان له في ذلك سواء وبالله التوفيق.
ومنها جاء من إفهام الله تعالى نبينا - صلى الله عليه وسلّم - كلام الذئب، فقد روي أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - كان جالسًا بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فعوى.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «هذا وفد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تعرضوا له شيئًا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه، فما أخذ فهو رزقه.
قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فولى وله عسلان».
فهذا يدخل في باب التعليم من وجه أن الذئب لما جاءه فسأله النظر بينه وبين أرباب المواشي، أعلمه الله مراده بعوائه ومحيه، ويدخل في باب التأييد من وجه أن فيه شهادة من الذئب بنبوته.
ومنها ما جاء من إفهام الله تعالى إياه رغاء البعير وحنينه.
فيما جاء يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - دخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلّم - حن وذرفت عينان، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلّم - فمسح شراته وذفراه.
ثم قال: «من هذا الجمل؟ فجاءه فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله! فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة، فأنه شكا إلي أنك تجيعه وترئبه» .