(باب في المناسك)
قال الله عز وجل: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} .
وقال الله عز وجل: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت» .
وقال: «من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، ثم مات ولم يحج، إن شاء يموت يهوديًا وإن شاء نصرانيًا» .
وهذا أعظم ما يكون من التغليظ، وإنما قال هذا، لأنه لم يكن لهاتين الطائفتين في الحج نصيب، ولم يكن من دينهم، كما كان فرض الصلاة والصيام والزكاة من دينهم.
فجعل من ترك الحج من المسلمين كالمتشبه بمن لم يشرع له بالحج، وكانوا صنفين، فقال (فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا) أي مثل أحدهما فليختر أيها شاء، فيضرب له المثل والله أعلم.
وقوله - عز وجل - (ومن كفر) معناه: ومن لم يحج، إلا أنه سماه كفرًا، كما سمى النبي - صلى الله عليه وسلّم - ترك الصلاة كفرًا، ليبين أن فعل كل واحد منهما إيمان، ولولا ذلك لما كانت تركه كفرًا.
وقد يجوز أن يكون ذلك منه تسمية ابتداء في هذين الأمرين، فصار الكفر اسمًا لهما شرعيًا كاسم النفاق لما يراد به، وكالإيمان والإسلام لما يراد بهما، وغير ذلك من أسماء كثيرة لم تكن سمعت ولا عرفت وإنما بلغت من الرسول - صلى الله عليه وسلّم - ويحتمل معنى آخر، وهو أن المراد من فعل ما يفعله الكفار، فحبس ولم يحج، مما قيل في قوله تعالى في قصة يونس: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} .
معناه: ففعل فعل من يظن أن لن نقدر عليه، وهو المتهرب من تبليغ الرسالة وركوب البحر مع ركابه وهكذا قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - في الصلاة «من تركها فقد كفر» .
أي فعل ما يفعله الكفار والله أعلم.