فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 1217

فإن قيل: بل اللعن أشد من الغضب، لأن الله تعالى هو القائل:{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}.

فلما ثنى باللعن عليه، علمنا أنه لا منزلة وراء الغضب.

قيل: فقد قال في الشهود {مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} .

ما يدل ذلك على أن الغضب منزل وراء اللعن، وإلا فليعلم أن المراد بالاثنين اجتماع الأمرين لا ترتيب أحدهما على الآخر والله أعلم.

وكما لا يحل أن تقذف المحصنة البريئة، ولذلك لا ينبغي له أن يقذف غير البريئة قال ذلك يؤذيها ويهتك سترها ويعرضه أيضًا لخصومتها ومطالبتها بالحد، ولعله لا يمكنه تثبيت الزنا عليها فيجلد.

وإن كان الزنا قد ثبت عليها فحدث عزر الأذى، فلا ينبغي أن يعرض نفسه للتعذير، كما لا ينبغي أن يعرض نفسه للجلد، والله أعلم.

ولا يجوز لسملم أن يقول لمسلم يا كافر.

فإنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما» .

ويحتمل أن يكون معنى ذلك أنه إن وصف ما عليه بأخوه المسلم بأنه كافر؟ فقد كفر نفسه، ولم يكن على أخيه منه شيء.

وإن كان المقول له ذلك يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فقد صدق عليه وليس على القائل شيء.

وبين الحالتين حالة ثالثة وهو أن يقول له: يا كافر أي يا من تبطن الكفر ولا تظهر به، ولا يكون كذلك.

وهذه غير مرادة بالحديث، لأن واحدًا منهما لا ينوء بالكفر في هذه الحال.

ويعذر الرامي ولا يحد، وهذا إن قال له: يا لص! يا شارب الخمر، ويا كذاب، فإنه يعذر في هذا كله ولا يحد، لأن الملامسة يخفى حلالها وحرامها.

فيعرض في قلب السامعين عند القذف أنه علم من المقذوف ما لم يعلمه غيره، فذاك والذي حمله على قذفه، ويتغير لأجله حال المقذوف في قلوب السامعين، فكأن القاذف أخذ شيئًا من عرض المقذوف، فلذلك اقتص منه بجلد ظهره.

وأما سائر الفواحش فلا يخفها أهلها حياء منها، وإنما يخفي ما يخفي منها احترازًا وتوقيًا من تبعاتها.

فمن رمي بشيء منها ولم يكن متعاطيًا له أمكن الوقوف على براءته منه باستبراء حاله، ولا يؤثر رمي من رماه به فيه ولا ينال عرضه منه بشيء، فلذلك سقط الحد عن الرامي والله أعلم.

فإن قيل: إذا كانت الأعراض في التحريم كالدماء والأموال، ثم كان القصاص من الدم بالدم، ومن المال بالمال، فلم لا كان القصاص من العرض بالعرض؟

فالجواب: إن القصاص لا يتحقق في هذا الباب، فلذلك لم يشرع.

وتفسيره أن الرجل إذا قال لآخر: يا زاني، فقد نال بهذا القول من عرضه شيئًا، لأن السامعين يرون أنه علم منه ما قال، فلذلك رماه به، فينحط من رتبة المقذوف وتتغير من صورته عندهم بقدر ما رفع في قلوبهم من صدق القاذف عليه.

فإذا قال له المقذوف: بل أنت الزاني، لم يقع قوله هنا له ذلك الموقع، لأنه يخرج الكلام مخرج المجاراة فيقع للسامعين: أن ابتداء الأول بقذفه هو الذي حمله على ما قال، لا علم كان عنده بشيء بدر من قاذفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت