ذكر أحكام المتغلبين: وإذا غفل الناس عن نصب الإمام فتغلب رجل بقوة كانت له على بلد، رضي أهل ذلك البلد بإمارته، وإن كان في ذلك البلد ممن يتم بهم نصب إمام بينهم أو خارجًا منهم، وأمكنهم ذلك فلم يفعلوه، واحتفظوا على أمير يخصهم فحكمهم وحكم أميرهم حكم البغاة، وإن لم يكونوا بهذه المنزلة فحكم أميرهم في عامة الإشياء حكم التخمين، فإن كان بنفسه عدلًا تولى وولي، وإن كان عدلًا ولم يكن عالمًا ولي بالمشورة ولم يتول وهذا، لأنه لو كان للناس إمام لكان أخطأ لهم به، إن يبعث عليهم أميرًا ينوب عنه في رعايتهم.
فإذا لم يكن إمام، قاموا بإيصال هذه الحطة إلى القيام بأنفسهم مقام الإمام، أو كان كما أنه إذا مات ميت ببلد ولم يخلف وارثًا، لم يجز لأحد أن يتصرف في ماله فيجهزه ويقوم بكفايته إلى (أن) يدفن إلا أذن الحاكم.
ولو مات في بادية حاكم بها يتولى ذلك من يحضره من المسلمين، ولم يكن عليه عزم، لأن الحاكم لو حضر لكان عليه أن يطلق ذلك له من ماله، فإذا لم يقدر عليه لم يسع إهماله وتضييعه، فكان من يحضره قائمًا فيه مقام الحاكم.
وهكذا الرجل يكون له على آخر دين، فإن أنكره وكانت عليه بينة واستحلفه فحلف ووجد له مالًا لكان له أن يأخذ من جنس حقه بقدره، فيقتضيه بدينه، وأن يأخذ من غير جنسه فيبيعه بمثل ماله عليه ثم يقتضيه بدينه، لأن حقه لو ثبت عند الحاكم لكان على الحاكم أن يوصله إلى حقه من أحد هذين الوجهين، وإذا لم يقدر على أخذ حقه، فالحاكم لم يبطل بذلك حقه، فيتولى ذلك بنفسه ما يقدر عليه فكذلك أهل كل بلد، فإنما حقهم أن يكون عليهم عامل للإمام يرعاهم، ويقوم بمصالحهم، فإذا لم يصلوا إلى حقوقهم من الرعاية والولاية من قبل إمام يكون لهم، لم يهملوا أنفسهم، ولكنهم يتولون نصب من يرعاهم ما كان الإمام يتولاه لو كان موجودًا والله أعلم.
(فصل)
وإذا نصب أهل البلد في الحال الذي ذكرناه أن لهم النصب أميرًا، ثم قام بأمر المسلمين قائم، وتثبت إمامته كان على هذا الأمير أن يسمع له ويطيع، لأن طاعة الإمام تعم ولا تخص فإن لم يفعل كان باغيًا عليه، ولم يسمع أهل البلد طاعته بعدما استعمل الإمام عليهم غيره، وهو على عمله إلى نبذ للإمام عزله عنه فعزله، لأنه في أول أمره كمن ولاه الإمام فكذلك يكون في آخره والله أعلم.
(فصل)
فإن لم يرض أهل البلد بإمارة من ذكرنا، ولكنه قهرهم وحملهم على طاعته فلم يستطيعوا مخالفته، فإن كانت كراهتهم له لأجل أن لا يصلح للإمارة ولا يقوم بشروطها، فهم معذورون وحكمه بينهم كحكم الباغي.
فإن يصلح لها وإنما يكرهونه مثلًا إلى التشبيب والخلاعة فقهرهم ليكف بعضهم عن بعض، ويأخذ من بعض ويقوم بحدود الله تعالى وحقوقه بينهم، كان حكمه حكم من يتفق أهل البلد عليه ويرضون إعادته، والله أعلم.