والتي تلي الآية التي صدرنا بها الباب، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.
فقيل: يا رسول الله، هكذا ينصره مظلومًا فكيف ينصره ظالمًا؟ فقال: يكفه عن الظلم».
ومعنى هذا أن نفس الظالم مظلوم له من جهته، كما قال عز وجل: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ليدفع الظلم عنه.
لذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه.
وإذا أمر كل واحد بنصر أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقد على نصرة لأن الإسلام إذا جمعهما صارا كالبدن الواحد.
كما أن أخوة السبب لو جمعتهما لكانا كالبدن الواحد، إذ الدين أقوى من القرابة، وأولى بالمحافظة عليه منها.
وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «مثل المسلمين في تراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى» .
وكما يجتهد المظلوم من دفع الظلم عن نفسه، فكذلك ينبغي لأخيه المسلم أن ينصره ويعينه على دفع الظلم عنه والله أعلم.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن الله يحب إعانة اللهفان» .
ومعلوم أنه أراد: اللهفان مما مسه من الظلم وإعانته، إذًا يكون بنصره، ورجع الحديث إلى معنى واحد والله أعلم.
(فصل)
وإذا رأى الرجل رجلًا غصب ماله أحد واختلسه وانتهبه، فقدر على استرجاعه منه، أو رآه حين يفعل ذلك، فقدر على منعه، أو رآه يهم بقتل رجل أو بأخذه أو بحبسه، وعلم أنه ظالم من فعله، وقدر على تخليصه فعليه أن يبلغ في كل واحد منهما أقصى ما يقدر عليه.
وإذا أسر المشركون أسيرًا من المؤمنين فعليهم إذا قدروا على تخليصه أن يخلصوه، وكذلك إن أخذوا من المسلم مالًا.
وإن كان الكف عن الظلم في هذه المسائل لا يتم إلا ببذل المال، فالأولى بذله إلا ذلك لا يلزم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أبان بقوله من قبل (دون ماله) فأولى أن لا يلزمه أن يفدى بعشر غيره، أو ماله بماله.
ولكن لو لقي رجل مسلمًا قد أشرف على الهلاك من جوع أو عطش أو عري تداركه، وذلك لا يكون إلا بالمال وهو يجده، فعليه أن يتداركه به.
فإن سمحت نفسه بالبر فيه فذلك أزكى له.
فإن قصد العوض، فقد قيل له: أن يرجع به عليه.
والفرق بينهما أن الذي هم ظالم بقتله، له أن لا يفتدى، فإن قدر على الإفتداء، لأن القتل له شهادة، وكذلك لغيره أن لا يفديه.
وأما الجائع، فلو وجد طعامًا لنفسه يأكله لم يجز له أن لا يأكل حتى يموت.
وكذلك غيره، إذا رأوه مشرفًا على الهلاك من الجوع وعنده فضل طعام، لم يكن له أن يحبسه عنه حتى يموت.
ولو رأى رجل عدوًا أخذ ماله، كان له أن لا يفتديه بشيء دونه فيسترده، فكذلك لا يلزم غيره هذا في ماله والله أعلم.