فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 1217

فأثبت أن القرآن كلامه، ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معًا، فثبت أن معنى قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (أي قول تلقاه عن رسول كريم أو نزل عليه رسول كريم) .

فدل على هذا أن الله جل جلاله قال: {لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} .

فثبت أن القرآن معجز.

فلو كان من وضع جبريل لم يكن معجزًا لأن المعجز ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.

فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قول الله عز وجل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} .

يجري على ظاهره، ويكون معنى قوله (حتى يسمع كلام الله) أي كلام الذي أمر الله - عز وجل - جبريل بإلقائه إلى نبيه.

فأما قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} وسائر ما في مثل معناه، فإن وجهه: أن الله - عز وجل - إذا أمر جبريل أن ينزل على نبيه كتابًا ثم يحمله إليه، ففعل الكاتب ذلك أن يقال: هذا كتاب ذلك الملك، صدر بأمره أو بعلمه.

وأما الإعجاز فقد يجوز أن يوصف به القرآن، وإن كان قول جبريل لأن الملك يقدر على ما لا تقدر عليه الإنس والجن، ولم يذكر الله - عز وجل - في التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن إلا الإنس والجن، فما الذي أحال أن يقدر على القرآن، ولا تقدر عليه الإنس ولا الجن.

هذا وقد جعل الله هذا، فعلًا من أفعال الملائكة علمًا يصدق نبي من الأنبياء، وهو الذي أخبر قومه بأن الله بعث لكم طالوت ملكًا، فلما قالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} .

قال: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ} .

فجعل الله - عز وجل - حمل الملائكة ذلك التابوت المأنوس لبني إسرائيل من الوصول إليه، أنه لصدق النبي الذي أخبرهم أن الله تعالى ملك عليهم طالوت، فلا ينكر أن يجعل الله إلقاء جبريل بالقرآن إلى نبينا صلوات الله عليه دلالة على صدقه، وإن جبريل هو الذي تولى وضعه ونظمه.

فالجواب: إن الله - عز وجل - لم يقصر التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن على الإنس والجن لأن الملائكة تقدر على الإتيان بمثله، ولكن لأن الرسالة كانت إلى الإنس والجن فوقع التحدي للفريقين حتى إذا عجزوا كان عجزهم دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - عاجز مثلهم فيظهر بذلك أنه لم يأت بالقرآن من عند نفسه وإنما أتي به من عند الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت