فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 1217

فإن قالوا: الوقف عند تناهي الأغراض يقرب معاني القرآن من إفهام السامعين فما أنكرت أن ذلك أولى من الوقف على فواصل الآيات.

الجواب: إن هذا رأي يخالف النص الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في تقطيعه القراءة آية آية، وما خالف النص من الآراء فمردود.

وأيضًا فإن كثيرًا من معاني القرآن إنما اعتاص إدراكها، إما للألفاظ التي وقفت العادة عنها بها، وإما من قبل النظم، ثم لا يجوز لتزاحم العريض بالسهل، وتزايل النظم لتقريب المعاني إلى إفهام السامعين، بل يجب المحافظة على اللفظ والنظم المنزلين لتسلم وتتحقق قراءة القرآن، فكذلك المقاطع المنزلة لا تترك إلى غيرها لتقريب المعاني من إفهام السامعين والله أعلم.

وجواب آخر: وهو أن السامع لا يخلو من أن يكون متسعًا لإدراك المعاني والأغراض بدربته في اللسان وفصل فطنته لتصاريف الكلام أو لا يكون متسعًا لذلك، وإنما يحتاج إلى تعلم أو تفهم.

فإن كان بالوصف الأول: فسواء سمع القرآن مقطع الآيات أو مفصل الأغراض، فإنه يدرك المراد، ويستبصر بالمعنى، وإن كان بالوصف الآخر: فسواء أيضًا سمع القرآن بعد هذا التقطيع، أو ذلك التقطيع، فلا غنى به عمن يعرفه سوء تفهمه، فبطل أن يكون في الوقف عند انتهاء الغرض التي ادعاها السائل والله أعلم.

وجواب آخر: وهو أن الوقف عند انتهاء الغرض إن كان لتقريب المعنى على من سمع، فيكره في الصلاة ولا يلتحق بمعاني التعليم ولا يصلح التعليم والتفهيم في الصلاة وبالله التوفيق.

فإن قال قائل: روي عن ابن جريج أنه قرأ،{إنما يعلمه بشر}ثم ابتدأ فقال:{لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}.

وقرأ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يقولون} وهذا يدل على أنهم كانوا يعتبرون في الوقف المعاني لا فواصل الآيات.

فالجواب: إن هذه الحكاية عن ابن جريج خاصة، وبينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قرأ من الصحابة والتابعين عدد لا يحصيهم إلا الله تعالى.

فلو كان في هذا الباب عن أحد شيء لنقل كما نقل عن ابن جريج قوله: ولو كان ابن جريج أخبر ما جاء عنه بخبر عنده ممن فوقه، لم يكتمه، ولا خبر به، لأن كتمان خبر من الأخبار والديانات جناية وغلول.

وهو عند المسلمين من العدول.

ثم إن في وقوع النص على هذه المواضع الثلاثة دليل على أنها قصدت قصدًا أو خصت بالوقوف عندها، ولو كانوا يتبعون في عامة الوقف الغرض والمعاني، لم يكن لتخصيص هذه الأحرف الثلاثة بالذكر معنى ولا فائدة.

وإذا كان كذلك كان لنا أن نعارض المحتج ما جاء في هذه الآيات الثلاث عن ابن جريج، بأن ما عداها لم يكن الوقف فيها مأخوذًا من قبل المعاني والأغراض، وجب أن تكون هذه الثلاث كذلك والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت