وأما قوله: «وينادي مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر» ، فقد يجوز أن يكون مثلًا لترغيب الله تعالى الموصل في زوائد الخيرات والحسنات في هذا الشهر حتى يجازوا كأنهم ينادون كل ليلة، فيقال لهم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
وقد يجوز أن يكون حقيقة لا مثلًا، وأن يكون ملك ينادي بذلك ليزداد العباد حسدًا في الخير، وبعدًا من الشر.
قيل: ليس كذلك، لأن الصادق قد أبلغهم إياه وأخبرهم، فصاروا سامعين له، وليس كل نداء يسمع من المنادي.
ولكن من سمعه من صادق فبلغه عنه، فكأنما سمعه منه، فكذلك هذا والله أعلم.
[[وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «تعظيم قدر هذا الشهر فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال: آمين. ثم ارتقى الثانية فقال: آمين. ثم ارتقى الثالثة فقال: آمين. ثم استوى فجلس، فقال أصحابه: على ما آمنت؟ فقال: أتاني جبريل عليه السلام فقال: رغم أنف أدرك ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت آمين، فقال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه فلم يدخل الجنة، فقلت آمين، فقال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين» ] ].
ومعنى هذا ـ والله أعلم ـ رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده وأدرك هذا الشهر، وذكرت عنده فلا هو صلى عليك فعرف حقك، ولا عمل في هذا الشهر ما يتوصل به إلى المغفرة، فعرف حقه.
ولا بر والديه.
أو الذي أدرك مثلهما فعرف حقه، فإن الأمر إن لم يكن على هذا وجب أن يكون من ترك الثالثة وعمل بالآخرين غير مغفور له.
وهذا غير جائز، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين، فقال: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} .
فصح أن معنى الحديث ما ذكرت.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا سلم رمضان سلمت السنة كلها» .
ومعنى هذا ما جاء في حديثه من قوله: «الشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما» .
أي أن شهر رمضان إذا سلم كان كفارة لما بعده إلى الشهر القابل، فتصير السنة سالمة بسلامه الشهر والله أعلم.