فهرس الكتاب

الصفحة 1166 من 1217

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)}

(فصل)

إن قال قائل: إذا كان الله تعالى قد قدر التقادير ودبر الأمور وميز السعداء من الأشقياء، وأجرى العلم بمن هو صائر إلى الجنة أو صائر إلى النار، فما فائدة الاجتهاد في العبادات؟

ما نقول له؟ فإن قال: العبادات مأمور بها وإنما على العبد الطاعة والتدبير إلى الله تعالى.

قيل له: فإن إحدى العبادات الدعاء وهو مأمور به، وسئل العبادات يسمعوا ويطيعوا ويدعو الله تعالى في الشدة والرخاء والتدبير إلى الله تعالى.

وإن قال: إنما ينبغي الاجتهاد في العبادات لأنه قد أبان أن المطيع يدخل الجنة والعاصي يدخل النار، فكل يجتهد برجاء أن يدخل الجنة قبل، وقد أمر بالدعاء، وقال حكاية عن نبي من أنبيائه عليهم السلام أنه قال: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «من لم يدع غضب الله عليه» .

فينبغي للعبد أن يدعو أو يرجو إنجاح حاجاته من الله تعالى، فإنه إن لم يفعل كان أمًا قانطًا وإما مستكبرًا، وكل واحد من الأمرين موجب للغضب.

ويقال له: أليس العبد وإن اجتهد فقد كان ممكنًا أنه يجتهد أن يدخله الجنة بفضله فما معنى الاجتهاد؟.

فإن قال: يجوز أن يكون عند الله تعالى أنه إن اجتهد ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فأدخله الجنة، وإن ساهل نفسه واتبع الشهوات سلبه الإيمان وأدخله النار.

قيل: وقد يجوز أن يكون عند الله تعالى أن العبد إن سأله خيرًا من خير الدنيا والآخرة أتاه إياه، وإن لم يسأله لم يؤته، وأنه إن استعاذ به من النار أعاده، وإن لم يستعذ به منها لم يعذه.

فينبغي لهذا أن يدعوه.

ويقال له: أليس الله تبارك وتعالى، قد قدر الأعمال والآجال والصحة والسقم فما فائدة التداوي من الأمراض؟

فإن قال: قد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالتداوي.

قيل له: قد أمر الله بالدعاء، وإنه قال يجوز أن يكون عند الله تعالى في بعض المرضى أنه إن تداوى سلم فعاش، وإن أهمل أمره أفسده المرض فهلك.

قيل: ويجوز أن يكون عند الله أن بعض المرضى إن دعاه وسأله العافية أو دعا وسأل له عزة عافاه.

وإن لم يدع لنفسه ولا دعا غيره أهلكه، فليحسن الدعاء بمثل ما أحسن له الدواء وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت