فإن قال قائل: من أين استجزت المفاضلة بين الأنبياء، ثم تفضيل أحد منهم على غيرهم وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا تخايروا بين الأنبياء» ؟
قيل له: قد قال الله - عز وجل - {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فأخبر أنه فاوت بينهم في الفضل.
فإن وصفناهم بما وصفهم الله تعالى فلا عيب علينا في ذلك.
فأما المخايرة بين الأنبياء الذي ورد فيه النهي، فإنما يراد بذلك محاذات أهل الملك في تفضيل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - كاليهود تجادل في موسى، والنصارى تجادل في عيسى، وتفضيل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - وعليهما.
أو المعنى في ذلك.
أن هذه المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين لم يؤمن أن يخرج كل واحد من المخايرين في تفضيل من يريد تفضيله إلى الإزراء بالآخر، والتعيير منه، فيكفي بذلك.
فإذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل، فيقابل بينهما ليظهر له رجحان فليس هذا بنهي عنه، لأن الرسل إذا كانوا متفاضلين وكان الأفضل يوجب فضل حق، وكان الحق إذا وجب لا يهتدى إلى أدائه إلا بعد معرفته، ومعرفة مستحقيه، كانت إلى معرفة الأفضل حاجة، ووجب أن يكون لله تعالى دلالة.
وطلب العلم المحتاج إليه من قبل إعلامه المنصوبة عليه ليس مما ينكر والله أعلم.
فإن قيل: لم لا فضلتم إبراهيم صلوات الله عليه لأنه خليل الرحمن، وقد علم أن الله يحب أولياءه كلهم، فالذي لا ينكر غيره أن يكون إنما خص إبراهيم باسم الخليل، لأنه أحب أوليائه إليه، ولأن تعالى - عز وجل - جعل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - تابعًا له، بقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وليس التابع كالمتبوع، ولأن مكة حرم إبراهيم، والمدينة حرم نبينا - صلى الله عليه وسلّم -، فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة» ووجدنا المتبوع من حرم إبراهيم من الصبر والشجر مضمونًا بجزاء، والمتبوع في حرم النبي - صلى الله عليه وسلّم - مضمون، فكان ذلك إمارة تشهد بفضل حرم إبراهيم.
وفي طور ذلك وجوب أن يكون محرمه أفضل.
ولأنه روي في الصحيح: «إنكم محشورون عراة، فأول من يكن إبراهيم» وفي ذلك دليل على فضله وتقدمه، وإن أفضل ما يدعو به نبينا - صلى الله عليه وسلّم -، أن نقول: اللهم صلي على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فإذا كان أقصى ما نسأل ربنا - عز وجل - لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - أن يلحقه إبراهيم فيصلي عليه كصلاته على إبراهيم، أفلا ذلكم دليل على فضل إبراهيم صلوات الله عليه.