فهرس الكتاب

الصفحة 1014 من 1217

فإن قيل: قد وصف الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلّم - بالاستحياء، فقال: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} الآية.

فلو كان حد الحياء خوف الذم لما استحى النبي - صلى الله عليه وسلّم -، لأنه لم يكن يخاف من أحد ذمًا، وقد جاء في صفته: أنه كَانَ «أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» .

وهذا يدل على معنى الحياء غير ما ذكرتم.

وقد يرى أن الصبيان الذين لا يدرون الحمد والذم يستحيون، فلو كان معنى الحياء ما ذكرتم لم يوجد الحياء إلا من عارف بالذم.

فالجواب: أن استيحاء النبي - صلى الله عليه وسلّم - هو أن لا يفعل ما يمنع خوف الذم غيره من فعله، ولا شك أن غير النبي - صلى الله عليه وسلّم - لو يبرم بضيف، قد فرغ من الطعام والرياء، لكان الذي يمنعه من أن يخرجه من المنزل أو يقول: أبرمت لكم خوف الذم، وأن يقال: كان أول هذا الذم دعاء وآخره جفاء.

فإذا وقع هذا للنبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو من البشر، كان من هذا في قلبه ما يدور في قلب غيره فذلك حياؤه.

وأما الصبيان فإن وجود الحياء فيهم لا يبطل أن يكون حقيقة الحياء ما قلنا، لأن الحياء مما جبل الناس عليه في كثير من الأشياء فهم يستحون، وإن كانوا لا يدرون ما الحياء، كما يجوعون ولا يدرون ما حقيقة الجوع ويعطشون ولا يدرون ما حقيقة العطش، وينامون ولا يدرون ما حقيقة النوم، فكذلك يستحون وإن لم يدروا ما حقيقة الحياء.

على معنى يمنعون من فعل ما لا يمنع من مثله إلا خوف الإستنكار والذم، وإن كانوا لا يخشون بذلك من نفوسهم، لكنهم لا يخلون من نفور يجدونه في قلوبهم، وذلك النفور حيلة، كما أن كراهية الذم حيلة، وحب المدح حيلة فما الصبي بنفور قلبه ولم يدر علة النفور حتى إذا عقل أدرك، سيكون الفعل من جنس ما يذم فاعله، أو مما يخشى أن يكون كذلك.

وفي هذا بيان أن وجود الحياء من الصبيان لا يبطل ما حددنا به والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت