فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1217

{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(17)}

وأما قوله عز وجل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} فليس المراد به أن التوبة إنما تقبل إذا دنا وقتها من وقت المعصية، حتى كانتا مثلًا في يوم واحد أو ليلة واحدة.

وأما المعنى: ما دامت الحياة ثابتة والدواعي إلى الجنايات قائمة.

وقد قال الله - عز وجل - في القيامة: {قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} فإذا كان أجل الجميع قريبًا، فكذلك أجل كل واحد قريب، وأبانه قوله - صلى الله عليه وسلّم - «أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» .

وأما الأجل المضروب للجمهور، فقد وردت فيه إنه مهمة، قال الله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - «إن الله باسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وباسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها» وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «إن الله فتح للتوبة بابًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها» فعلم بهذا أن الآية إذا أتت لم ينفع نفسًا إيمانها حتى طلوع الشمس من مغربها.

وهذا يحتمل معنيين.

أحدهما أن الناس إذا أتت وجدوا الشمس طالعة من مغربها خاض إلى قلوبهم من الفزع ما يحمل معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لا ينهاهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت من انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم.

فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت.

والآخر: أن طلوع الشمس من مغربها لا يعلم إلا بخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وما زال غير المسلمين مكذبين لهذا الخبر اعتمادًا على أنه مباين لصنعه الكواكب والأملاك والأفلاك غير لائق بوضعها ونظامها.

فإذا شوهد ذلك عيانًا دل على صدق النبي - صلى الله عليه وسلّم - ضرورة، تتوفى بوقوع العلم بتوبته ضرورة، ووقوع العلم بالله تعالى ضرورة.

وإذا ارتفع الإمتحان ورفعت الضرورة ولم يقع الإيمان ولا التوبة موقع العبادة كما يقعان في عرصات القيامة موقع العبادة لهذا المعنى ـ والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت