فكذلك اقتراف التائب والمصر في أن التائب يستوجب الجنة، والمصر لا يستوجبها عاجلًا لا يمنع من أن يمن الله تعالى على المصر فيدخله مع التائب الجنة، إما باستغفار أو بشفاعة تشفع له والله أعلم.
والدليل على جواز أن يعفو للمصر باستغفاره قول الله عز وجل: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، وهذا في الصلوات المفروضات فعلمنا أنها كفارات، وإذا كانت الصلاة كفارة للمذنب، والمذنب ليس هو الدعي إليها والباعث عليها، فلئن كان الاستغفار كفارة وهو طاعة تدعو الذنب إليها وتحمل عليها أولى وأحق.
ووجه آخر: وهو قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ، ولا يجوز أن يعرض في خبر الله تعالى خلف.
فأما الكبائر أنفسها فلا يغفرها إلا للتائب.
والدليل على ذلك أنه تعالى لما توعد أصحاب الكبائر بالنار والخلود فيها لم يستثن منهم إلا التائبين، لأنه - عز وجل - قال: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَن تَابَ} .
فعلمنا أن يخلص أصحاب الكبائر بالتوبة فإن المغفرة الموعودة لها دون الشرك، إنما هي لأصحاب الصغائر المجتنبين للكبائر؟
فالجواب: ـ وبالله التوفيق ـ أن هذا الوعيد ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره، فإن الله جل ثناؤه فتح بهذه الآية بذكر الشرك فقال: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} ، فانصرف قوله (ومن يفعل ذلك) إلى جميع ما تقدم ذكره.
ولسنا ننكر أن يكون الجامع بين هذه الكبائر مستوجبًا هذا الوعيد، وأن لا يخرج منه إلا التائب.