(باب في طاعة أولي الأمر بفصولها)
قال الله - عز وجل - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}
واختلف في أولي الأمر.
فقيل: هم أمراء السرايا.
وقيل: هم العلماء، ويحتمل أن يكون عامًا لهما وإن كان خاصًا فأمر السرايا أشبه بأن يكون المراد لأن ذا الأمر هو الأمير، كما أن ذا المجد هو المجيد، وذا القرب هو القريب.
فلما كان العالم فيما بين الناس لا يسمى أميرًا، ويسمى ولي أمر الجيش أميرًا، كان بما جرى في الآية من ذكر أولي الأمر بأن يصرف إلى آمر السرايا، أولى منه بأن يصرف إلى العلماء، والله أعلم.
وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» .
وجاء: «اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا نهى الناس عن أمر دعا أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإنما ينظر الناس إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن هبتم هاب الناس، وإن رفعتم رفع الناس، والله لا يقع أحد منكم كما في أمر نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العقوبة لمكانة مني.
والأصل في هذا الباب أن طاعة الله تعالى لما كانت واجبة كانت طاعة ملكهم شيئًا من أمور عباده واجبة وهم الرسل صلوات الله عليهم.
وإذا وجبت طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلّم - بهذا المعنى وجبت طاعة من تملكه الرسول - صلى الله عليه وسلّم - شيئًا مما ملكه الله تعالى بأي اسم دعي.
فقيل له: خليقة وأميرًا وقاضيًا أو مصدقًا، أو من كان وأي واحد من هؤلاء وجب طاعته كان عامله ومن تملكه شيئًا مما يملكه مثله لقيام كل واحد من هؤلاء فيما صار إليه من الأمر منزلة الذي فوقه إلى أن ينتهي الأمر إلى من له الخلق والأمر، وليس فوقه أحد، وهو الله رب العالمين.
وهذا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلّم -.
فأما إذا توفاه الله تعالى إلى كرامته من غير نص على إقامة أحد من بعده فوجب على أهل من أمته أن ينتخبوا إمامًا يقوم فيهم مقامه، ويمضي فيهم أحكامه لأن منزلتهم جميعًا إذا مات عن غير خليفة له فيهم كمنزلة من ناب داره عنه في حياته، فلما كانت سنة في أهل البلاد القاضية أيام حياته أن يؤمر عليهم أميرًا وينفذ إليهم قاضيًا، دل على أن خلق الجماعة بعد وفاته لا عن أحد استخلفه عليهم، أن يكون لهم فيها بينهم من يقوم مقامه، وينفذ أحكامه.