فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 1217

وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «الحمى من فيح جهنم، فأبردها بالماء» وفي بعض الروايات.

«إن شدة الحمى من فيح جهنم فاطفئوها بالماء البارد» وهذا يحتمل أن يكون المراد به سقي المحموم من الماء البارد ما تنطفئ به حرارته الزائدة، وليسكن عليه عطشه في صبه عليه أو سقيه بالغداة على الريق ماء بادرًا، فإنه لم يكن بحضرتهم إلا بشربه النافعة من الحميات، فأمرهم أن لا يهملوا العليل ويتعهدوا بالماء البارد إن لم يجدوا غيره والله أعلم، لمن كان أمر بصب الماء البارد على المحموم فيزيد والله أعلم لأن سبب الحمى كان حرارة من خارج وهو حرارة الهواء، فأمر بصب الماء البارد عليه إلا في حال هيجان الحمى لكن بعد مفارقتها البدن أروح الأوقات، ليكشف جلودهم ويصلب أعصارهم فلا يخلخلها حتى الهواء، ولا تخلص إلى بواطن أجسامهم.

وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أن أصحابه قدموا خيبر، فأكلوا التمر فحموا، فأمرهم أن يفرشوا المساء في البستان، أي يبردوها ـ ثم يفيضوها عليهم ما بين أذان الصبح، ففعلوا ثم راحوا كما أنشطوا من عقال.

وهذا لأن اغتذاء التمر وحده لم يكن يضرهم ولكن الحرارتين إذا اجتمعتا، التمر من داخل والهواء الحار من الخارج حدثت الحمى، فأمر أن يتعالجوا بالماء البارد، وأن يصبوا على أبدانهم في أرواح الأوقات لتصلب بشرتهم فلا يبقى فيها حر لهم.

فإن حر التمر إذا تجرد عن حر الهواء لم يهج حمى، إذا كان ذلك غذاؤهم المعتاد والله أعلم.

وأما إضافته - صلى الله عليه وسلّم - الحس إلى فيح جهنم، فإشارة إلى حدوثها من حر الشمس وسخونتها بالنار المحيطة بالعالم الكابتة يوم القيامة محابسة العصاة وقد مضى ذلك في بعض الأبواب المتقدمة والله أعلم.

وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم» أي أن المرض الذي يمنع من الطعام والشراب واقع من الله تعالى فسلموا الأمر ولا تكرهوا المريض على الطعام والشراب فتكونوا قد عارضتم الله تعالى في أمره.

فإن قيل: فلا ينبغي على هذا الطعام المحتاج وقد قال قوم من الكفار، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه!

قيل: المريض أبطل الله تعالى بالمرض حاجته إلى الطعام والشراب اللذين كان يحتاج إليهما في صحته، فإذا أكره على الطعام والشراب، وطعمه لا يحتملهما أضر ذلك به.

والفقير محتاج إلى الطعام والشراب محتمل لهما، ولكنه لا يجدهما، وإذا لم يواس بهما هلك، فوجبت المواساة لكيلا يهلك، كما وجب الكف عن إكراه المريض عليهما لئلا يهلك.

فالمقصود في الناس دفع الضرر إلا أن الفقير محتاج غير واحد، فدفع الضرر عنه يكون بالإطعام، والمريض غير محتاج وطعمه غير محتمل، فدفع الضرر عنه يكون بالكف عنه.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت