فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 1217

وعنه صلوات الله عليه أن رجلًا رمي فأجفن، فدعا له رجلين من بني أنمار، فقال: «أيكما أطب؟ فقال أحدهما؛ أو في الطب خير؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إنما أنزل الدواء من أنزل الداء، فقال أحدهما: أنا أطب فأمره فعالجه فبرأ» .

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «إن هذا الوباء رجز عذب الله به بعض الأمم ممن كان قبلكم، فإذا سمعتم بها فلا تأتوها» فيقول في هذا الحديث ـ والله الموفق ـ إذا وقع الوباء بأرض فلا ينبغي لمن لم يكن بها أن يأتها لأنه بذلك يتعرض للبلاء، وذلك مخالفًا، وذلك لما يلزم كل أحد من حبس الظن لنفسه.

وأما من كان بها فلا يخرج منها، وفي بعض الروايات.

ولا تخرجوا فرارًا منها.

فقد يحتمل أن يقال: إنه إذا بدا له الخروج لحاجة عرضت له، أو لأنه كان قدمها لحاجة فغضب فذلك له.

وإن أراد بالخروج الفرار من الوباء فلا ينبغي له أن يفعله، لأن الوباء إذا كان غالبًا، فالظاهر أن الله تعالى أرسله إلى عامة أهل البلد، فلا يخرج منه أحد بأن يستثني نفسه فيعتزل وإنما يخرج منه بأن يستثنه الله تعالى فيسلمه.

والفرار من الوباء باستثناء منه لنفسه، وذلك مما لا يملكه فكان ممنوعًا عنه، ولزمه أن يقيم.

فإن كان له عند الله استثناء فسيعصمه، وذلك أشبه بالعبودة والتسليم لحكم الله تعالى من الفرار.

ليس الفرار في هذا المجال كالتداوي من المرض خيفة الهلاك، وكالفرار من المجذوم خيفة العدوى، كما ذكرت أن من مظاهر الوباء المرسلة أن أرسلها على الجماعة فليس لأحد منهم أن يقذف في مخلصها منها بجلده وحيلته، وتناقض بذلك العبودة.

وليس التداوي كذلك، لأن الله تعالى لم يخلق الدواء إلا ليدفع به الداء، فهو فرار إلى الله تعالى لا فرار منه، وإنما الفرار من المجذوم فلأن ابتلاء الله تعالى إياه بالجذام ليس ليعدي منه إلى غيره، كما الظاهر من الوباء الواقع في البلد أنه مرسل على جماعة أهله، فلم يكن الفرار منه فرارًا من عدوى، فوجهت نحوه في الظاهر، فكان كمن يسمع الوباء في بلد فيمتنع عن قصده ودخوله، لا كمن حصل فيه فيريد الخروج منه والله أعلم.

ووجه آخر.

وهو أنه يحتمل أن يكون بدنه قد استعد لذلك، فإذا انتقل عنه إلى بلد أكيف هواء منه اختفت مادة المرض الموجودة في جوفه، ولم ينتشر ولم يبرز إلى ظاهر البدن كما كانت تكون لو بقي في ذلك البلد، وما يخش من ذلك أكثر ما يخش من المقام في بلد الوباء.

وفيه وجه ثالث وهو أنه إذا كان حدث في بدنه شيء من الوباء الذي كان في ذلك البلد فانتقل إلى بلد آخر لم يؤمن أن يعدي الآبار التي تعلقت ذلك الوباء في البلد الذي انتقل إليها، فلذلك كان النهي والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت