فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 1217

وقد جاء في هذا الفصل خاصة أن رجلًا قال: يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدًا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» وهذا على أن الطاعات في الإيمان إيمان، والمعاصي في الكفر كفر.

فإذا أسلم الكافر أحبط إسلامه كفره، فإن أحسن في الإسلام أحبطت طاعاته تلك المعاصي التي قدمها في حال كفره، وإن لم يحسن في الإسلام بقيت تلك المعاصي بحالها إذا لم يجد ما يحبطها، فأخذ بإساءته في الإسلام وفيما قبله.

ومما يؤكد هذا أن المعاصي قد توجد من المسلم في إسلامه فلم يلزم أن يحبط ما وجد منها في الكفر بالإسلام الحادث.

وبان بهذا أن قول الله عز وجل: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} معناه يغفر لهم كفرهم فيما خلا من أعمارهم، فإن كان عامًا للكفر والذنوب فهو مغفور بشرط الانتهاء.

وفي ذلك بيان أنهم إن لم ينتهوا عن المعاصي التي كانوا عليها لم يغفر لهم، كما أنهم ما لم ينتهوا عن الكفر لم يغفر لهم.

فإن قيل: فألزموهم قضاء ما سلف من صلاة أو صوم!

قيل: لا يلزمنا هذا، لأنهم إن صلوا وصاموا بعدما أسلموا، سقط عنهم ما تركوا في الكفر بدلالة الحديث، وإن لم يصلوا أو لم يصوموا، أمروا بالصلاة والصيام، وحملهم على ذلك حملهم على ما إذا فعلوه سقط ما مضى عنهم، فلم يلزمنا أن نأمرهم بتجديد القضاء لما تركوا.

فإن قيل: فما بال المسلم التارك للصلوات، إذا بات واستقبل فأقام الصلاة لا يسقط ذلك عنه ما مضى منها؟

قيل: لأن ترك المسلم الصلاة لا يستند إلى أصل معفو عنه، فكان شرط يؤتيه قضاء ما ترك منها، وترك الكافر الصلاة مستند بعد الإسلام إلى أصل قد عفي عنه وهو الكفر.

ثم إن ذلك العفو عن ماضيه إنما وقع لا بتدارك ـ كان له من الأصل إذ ذاك ـ غير ممكن، لكن باستقبال خلافها والله أعلم.

ومما يتفرع عن هذا الأصل أن الفاسق ينبغي أن يكون مردودًا لشهادة غير معتمد القضاء بين الناس، ولا لولاية التزويج ولا لولاية أموال الغير، لأن ناقص الدين، ونقصان الدين يحول عن الترقي إلى مراتب أهل الفضل والكمال في الدين.

فإن قضى قاض لم يجز قضاؤه، كما لو أفضى شهادة كفر لم ينعقد قضاؤه ومن لم ينسبه إلى نقصان الدين ردت شهادته للتهمة، فأداه ذلك إلى أن يقول أن الحاكم إن ظن به خيرًا أو قبل شهادته كان قضاؤه جائزًا، لأن الأصل أنه بريء من الكذب غير مفارق له حتى يثبت خلافه، وأجاز الوصاية إليه، وأثبت له الولاية على أطفاله، ونحن لا نقول ذلك والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت