(فصل)
الاعتكاف قريب المعنى من الصيام، وكأنه أحد الصائمين كما أن الطواف قريب المعنى من الصلاة، وكأنه أحد الصلاتين، لأن الصيام هجر المألوف من الطعام والشراب والنساء، وكذلك الاعتكاف هجر المألوف من المسكن والبناء، فيجتمع الصيام والاعتكاف في أن شرطهما اعتزال النساء.
ثم يختص الصيام بهجر الطعام والشراب، ويختص الاعتكاف بهجر المنازل والبيوت، لأنه لا يصح إلا في المساجد.
ووجه القربة في الاعتكاف إلى المعتكف يزر البيت لوجه الله تعالى، فيهجر الاستراحة والتبسط في الحديث، والاشتغال عن الذكر والنوم الطويل ونحو ذلك.
ويقيم في موضع الصلاة منتظر الصلاة بعد الصلاة معرضًا عن اللغو، رافضًا لجميع اللهو، لا يهمه إلا التعبد كما قال الله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} .
الآية، فهو كالصوم الذي يذر فيه العبد طعامه وشرابه ليقمع شهواته، وتخف نحو الطاعات حركاته وبالله التوفيق.
ولتناسب ما بين هاتين العبادتين أخبار لعلها الجمع بينهما، فرأوا أن يكون الاعتكاف في حال الصوم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يرو عنه أنه اعتكف إلا في شهر رمضان إلا عامًا ترك فيه الاعتكاف في العشر الأواخر بعده ثم قضاه في العشر الأول من شوال.
وإنما أرادوا بذلك أن يكمل الإمساك عن عامة ما تميل النفس إليه، والرفض لجميع ما ينقل إليه من المطعم والمشرب والمسكن والمنكح، فلا يبقى من مواقع العبادة والقواطع عنها في العادة شيء عقل بالنفس إلى الحمام، وتحول بينهما وبين أن يقوم بخدمة الله تعالى حق القيام وبالله التوفيق.