فهرس الكتاب

الصفحة 980 من 1217

(فصل)

ومن معرفة المصلي بقدر صلاته أن لا يجرد المكتوبات عن السنن المشروعة قبلها أو بعدها.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «من رغب عن سنتي فليس مني» .

وقال الله عز وجل: {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} .

ومنها أن لا يقتصر من المكتوبة على أقل ما يجري كما ذكرناه في السنن المنفصلة عنها فلأن ذلك دلالة لاستقبال العبادة والتبرم بها، كما أن المقبل في الصلاة وأدائها بفرائضها وسننها وهيئاتها وآدابها دليل الحرص على العبادة والحث والاغتنام لما شرع وسهل السبيل إليه منها.

ولكل ساع عند الله سعيه، فمن أساء السعي فعلى نفسه جنى، ومن أحسنه فبمثله يجزى وبالله التوفيق.

ومنها أن لا يتفرد بإقامة الفرائض في بيته، لكن يقيمها مع الجماعة في المساجد لما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» .

قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .

ولأن المساجد إنما تبنى لأجل الصلاة والذكر.

قال الله - عز وجل - في بيوت الله: {أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} .

وثبت لها لذلك من الحرمة ما تتميز به عن سائر البيوت، وهو أن لا يحل للجنب أن يلبث فيها، وأن الاعتكاف فيها يصح وفيما سواها لا يصح.

وأن من جعل داره خرج من ملكه فلا ينفذ فيها بعد ذلك تصرفه، وإن مات لم يورث عنه.

فلذلك يجب لها على المسلمين من الجواز ما لا يجوز لهم تعطيلها وتخريبها إذا تركوها ولم يصلوا فيها، لم يعثوا بخرابها ولم يعمروها.

وهو سوى ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد تسعًا وعشرين درجة» .

والصلاة جماعة أفضل وإقامتها أفضل لما ذكرت من الحديث في كل واحد من الأمرين والله أعلم.

وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «صلاتك مع الرجل أزكى من صلاتك وحدك، وصلاتك مع الرجلين أزكى من صلاتك مع رجل، وما كان أكثر هو أحب إلى الله عز وجل» .

فإن قيل: كيف يجوز أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» ويستدل على ذلك بقول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} وقد علم أن المراد بالآية عمارة ما خرب من المسجد، ورم ما استرم ألا ترى أنه قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} فلو كان المراد بالعمارة والصلاة لصار كأنه قال: إنما يصلي في مساجد الله من آمن بالله وأقام الصلاة.

وذلك لا وجه له.

هذا وقد قال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .

أي أجعلتم ولاية المسجد والقيام بعمارته كسقاية الحاج كإيمان من آمن بالله فثبت أن معنى قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} .

أي إنما ينبغي أن يتولى عمارة البيت من يؤمن بالله ويقيم الصلاة.

في هذا ما أبان أن ذلك الخبر لا يجوز أن يأتينا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -؟

فالجواب: أن ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - فهو ملائم لما قاله هذا القائل من معنى الآية.

ووجه ذلك والله أعلم ـ أن الاهتمام بعمارة المسجد وحضوره لا يليق بالمشركين، وإنما هو من عمل المؤمنين.

لأن الإيمان هو الذي يبعث عليه يدعو المؤمن إليه.

فكما أن الله - عز وجل - نفى ولاية المسجد والقيام بعمارتها عن المشركين، لأن الكفر بالله يحول بينهم وبين الاهتمام بالبيوت المضافة إليه المختصة بعبادته.

فكذلك اعتياد المساجد والولوع بها والانقطاع إليها بالتعبد، لا يليق بالكفار بالله، إذ الكفر يحول بينهم وبين عبادته، وتعظيم البيوت المضافة إليه.

فمن روى ذلك منه وعرف به فينبغي أن يشهد له بالإيمان، فإنما تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - تلك الآية، ليجعل ما جاءت به مثلًا لما ذكره من اعتياد الرجل المسجد لا ليحتج بلفظها به والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت