قيل: وليس تحت جرح العرض إلا لصاق شين وسبة به، ولو لم يكن ما ينسب إليه من الفسق ناقصًا من دينه شيئًا لم يكن شينًا ولا سبة، فصح أن عرضه إنما يصير مجروحًا بالفسق لئلا يلتصق عن ذلك به من نقصان الدين والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أن يقال لمن سأل هذا السؤال: أخبرنا عن اليهودي المشبه الذي يزعم أن عزيرا ابن الله، والنصراني الذي زعم أن المسيح ابن الله.
إذا قال اليهودي لم يكن المسيح نبيًا، أيكون هذا كفرًا منه؟ أو النصراني إذا قال مثل ذلك لنبينا - صلى الله عليه وسلّم -، أيكون كفرًا منه؟ فإذا قال: نعم! قيل له: أرأيت لو قال اليهودي: كان المسيح ومحمد نبيين، ولكنه لم ينزع عن قوله عزير ابن الله، أو قال النصراني: محمد رسول الله ولم ينزع عن قوله «المسيح ابن الله» ، أيكونان مؤمنين؟ فإذا قال: لا! قيل له: فإذا جاز أن يكون كل واحد منهما مزدادًا من الكفر بشيء، لو تركاه لم يكن تركهما له إيمانًا.
فلم لا أجزت أن يكون المؤمن مزدادًا من الإيمان بشيء، لو تركه كفرًا! وما الفرق؟
وجواب آخر: وهو أن الفرض والنفل مجتمعان، في أن فعلهما طاعة وبر، ثم يختلفان، فيكون ترك الفرض معصية، ولا يكون ترك النفل معصية، ولا يستدل بافتراقهما في ذلك على افتراقهما في أن يكون فعلوا طاعة فلذلك قبول الفرض بعد الفرض عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وفعل الفرض بعد الفرض يجتمعان في أن يكونا إيمانًا، ويفترقان في أن يكون ترك القبول كفرًا، ولا يكون ترك الفعل كفرًا.
ولا يجب على افتراقهما في ذلك، افتراقهما في أن يكون فعلهما جميعًا إيمانًا.
وجواب آخر: وهو أن مفارقة الفعل القبول، في أن ترك القبول كفر، وترك الفعل ليس بكفر، لا يوجب الفرق بينهما في أن يكون كل واحد منهما إيمانًا.
فإن الله عز وجل قال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فألزم الصحيح المقيم أن يصوم، وألزم وجعل للمريض والمسافر أن يصوم مكان الشهر عدة من أيام أخر.
فالصحيح المقيم إن لم يصم عصى وفسق، والمريض والمسافر إذا لم يصم، لم يعص ولم يفسق ولم يمنع افتراقهما ـ من هذا الوجه ـ أن يتفقا في أن كل واحد منهما إذا صام كان بارًا مطيعًا مؤديًا فريضة الشهر.
ولم يجز أن يقال: إن الصحيح المقيم إذا صام مطيعًا، لأنه لو لم يصم كان عاصيًا.
والمريض والمسافر إذا صاما فليسا بمطيعين، لأنهما لو لم يصوما لم يكونا عاصيين.
فكذلك القابل للفرض والفاعل له، مطيعان مؤمنان، هذا بقبوله وذاك بفعله، ولو كان القابل لو لم يقبل «لم» يكفر، والفاعل لو لم يفعل لم يكفر.