فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 1217

فإن قيل: لم كفرتموه إذا يئس من إمكان المعارضة، وهو يقول: ألست أنا الناس كلهم؟ ولعل غيري يقدر على ما عجزت عنه، وأما أنا واحد من الجمع!

قيل: لأن مباينة القرآن سائر الكلام المنظوم، إنما هي من قبل خروج نظمه عن معارف الناس، فإنه ليست له طريقة تدرك فيحافظ عليها، كما للشعر الذي إذا أجاب طبع الواحد إليه والأقدر على تعلمه والتوصل إليه بأسبابه، وإذا كان كذلك، فكل من كان من أهل البلاغة والنظم وجاهد نفسه في معارضه سورة من القرآن فلم يقدر عليها، لأن معرفته لم تحط بنظمه ولم تقف له على هيئة مطردة وطريقة منسقة صار محجوبًا لعجزه.

وكان علمه بما ظهر له من حاله علمًا بأحوال من كان في مثل معناه.

ألا ترى أنه لو بلغه فمكان القرآن أنه يقول الدلالة على نبوتي، ولزوم أن أحدًا لا يسمع كلامي وقولي إلا وينسينا اسمه، فلا يذكره ولا غيره إلا أن أذكره، فنسي هذا المبلغ اسمه عند هذا البلاغ ونسبه مبلغه وجهد جهده في تذكره ولم يذكر لصار محجوجًا بما بلغه.

وإن لم يكن له أن يتوقف عن الإيمان معتلًا بأن يقول: إن كنت نسيت اسمي ولم أذكره فلعل غيري لا ينساه أو يذكره، لأنه لم ينس اسمه لعارض من العوارض التي تحدث للطباع فينسى ويغفل.

فقال: لعل الناس يتباينون في ذلك، فعسى أن يعرض لواحد ولا يعرض لغيره، وإنما نسي لأمر خارج من الطباع فهو وغيره فيه سواء، وليس إلا التصديق والتسليم، فكذلك هذا في العجز عن معارضة القرآن والله أعلم.

فإن سأل سائل: عن امرأة ولدت ولدًا على رأس جبل إلى أن يعيش وحده، ماتت أمه وبقي وحده فكبر وعقل ولم ير إنسانًا قط، ولا سمع خبرًا إلا أنه يفكر في أمره أول ما اتسع للرأي والنظر ليعلم ما هو وما هذه المحسوسات التي يراها وهل يجب أن يكون لها فاعل؟ أو هي قديمة؟ فلم يزل ينظر ويستدل ولا يغفل عن النظر وقتًا إلى وقت تدفعه عنه ضرورة، فمات قبل أن ينتهي استدلاله، فيظهر له ما يطلب، أيموت كافرًا أو يموت مسلمًا؟

قيل له: هذا ينبغي أن ينظر فيه من أصول سبق ذكرها:

أحدها: القول بالميثاق.

فمن أثبته زعم أن الناس كلهم مولودون على حكم الميثاق المأخوذ عليهم.

فمن نقصه بالكفر زال عنه حكمه، ومن لم ينقصه بحدث يحدثه ثبت له حكمه.

فقال في هذا الذي مات مستدلًا أنه مات مؤمنًا ومآبه الجنة.

وهكذا من لم يقل بالميثاق ويزعم أن الله تعالى جعل أصل الناس الاستقامة، كما جعل أصل الماء الطهارة، فكذلك يقول أيضًا.

ومن قال: أصل الناس أنه لا دين لأحد منهم بنفسه، ولكن يجعل في صغره تابعًا لأبويه، وإذا بلغ كان له حكم نفسه، قال إن الذي وقع السؤال عنه لا يمكن أن يكن لأنه لو كان، لا يمكن أن يقطع بأنه يموت كافرًا، ولا بأنه يموت مسلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت