(باب في التعاون على البر والتقوى)
قال الله عز وجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
ومعنى هذا الباب في المعاونة على البر والتقوى، إذا عدمت مع وجود الحاجة إليها يوجد البر، وإذا وجدت وجد البر.
فبان أنها في نفسها بر ثم إنها من المنزلة ما ليس البر الذي ينفرد به الواجد، لأن الواجد إذا نزل أن يفعل برًا فإنما من همته بر واجد، والبر الذي يحتاج في إقامته إلى عشرة أو مائة إذا لم يتعاونوا عليه، فقد عدم من جهة كل واحد منهم بر كثير، لأنه يترك المعاونة ويترك حظه من البر، ويحول بين أصحابه وحظوظهم، لأنهم إذا كانوا لا يستطيعون الانفراد عنه فيه، فهو إذا كان لم يوافقهم عليه، ولم يغثهم.
كان هو السبب لتعطيل الأمر عليهم، فبان المعدوم منهم معدوم من كل واحد منهم فكان التخلف عن المعاونة على البر إذا أغلط من يخلف الواحد عن بر لو فعله، ليأتي ووجد به وحده والله أعلم.
أحدهما: موافقة أهل الدين وأن يترك كل واحد منهم صاحبه فينهاهم به من الخير منزلة نفسه.
والآخر: الحرص على البر والإسراع إلى الخير، وكل واحد من هذين محمود مأمور به أو مندوب إليه.
وأيضًا فإن الطاعات أكثرها مبنية على الإشتراك، لأن الإيمان فرض على الجماعة والصلاة لم توقت إلا لتيقن الناس على إقامتها، ولا يتباهوا فيها، ثو قصر بهم على الأمر بالجماعة فيها.
والصيام إنما جعل وقته للجميع واحدًا، والحج كذلك.
فلما كان مبنى كل طاعة يمكن فيها الإشتراك، إن يقع الإشتراك من الناس فيها، فما بر يعوض، وخير يبدو، فيحتاج فيه على التعاون والإشتراك إلا وذلك مندوب إليه، مأمور به لتكون العوارض معتبرة بالأصول الثابتة المبنية، وبالله التوفيق.
وكل ما قلته في التعاون على البر والتقوى، فهو في ترك التعاون على الإثم والعدوان مثله، لأن كل الناس إذا تركوا التعاون على الإثم والعدوان، فلم يوجد ذلك الإثم، صار كل واحد منهم كأنه ترك إمامًا، لأنه لم يأثم بنفسه، وقال بترك المعاونة بين أصحابه وبين الإثم، ولأنه وافق غيره من أهل الدين على ما رواه من جسم مادة الإثم من وخامة العاقبة فقعد عنه، ولم يشرع فيه.
ولأنهم إذا لم يتعاونوا على الإثم والعدوان، فقد خالفوا بين الإثم والبر، بأن صانوا الدين عن أن يشيع في أهله ما يخالفه، كما إذا تعاونوا على البر والتقوى، فقد ظاهروا الدين حتى وجد من أهلها ما يليق به ويوافقه، فلم يرضوا الإثم بأن يظهر كما لم يرضوا اللين بأن يتكتم والله أعلم.