وأما من قطع القول بأنه مؤمن ولم يستثن، فمنهم عبد الله بن عمر.
روي أنه أخرج شاة ليذبحها، فقال له رجل: اذبحها، فرآه سيء الهيأة، فقال له: أمسلم أنت؟ فقال: إن شاء الله.
فقال ابن عمر: ما أنت بذابح لنا اليوم شيئًا.
وروى عمر بن ذر أنه قال: لعطاء بن أبي رباح: إن بمصرنا قومًا شكاكًا يقولون: لا ندري أمؤمنون نحن أو لا؟ فقال عطاء: سموا أنفسكم مؤمنين، ولا تقولوا نحن من أهل الجنة.
فإنه ليس أحد يلقى الله إلا وله الحجة عليه نبي أو ملك، أما نبي فقد أذنب ذنبًا، أو ملك أنعم الله عليه بالطاعة فلم يبلغ شكرها.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: إذا سئلت، أمؤمن أنت، فلا تقل إن شاء الله.
وروى أهل هذا القول عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «أقروا بالإيمان، وسموا أنفسكم مؤمنين، والذي نفسي بيده، كما لا يخرج العبد المشرك العمل الصالح من كفر به، كذلك لا يخرج الذنوب العبد لمؤمن من إيمانه» .
وقد ذهب ذاهب إلى أنه يجوز أن يقول المؤمن: أنا مؤمن عند الله، ولا يجوز أن يقول: إني مؤمن في علم الله، واعتل بأن (عند) تتغير، والعلم لا يتغير وسئل عن الفرق بين (عند) و (علم) من قبل التفسير، قبل أن يفرق بينهما في الحكم، فإنا لا نعلم لقول قائل: عندي أن فلان ابن فلان معي، إلا أن الذي أعلمه من نسبته أنه ابن فلان.
ولا يقول القائل: عندي أن هذا حلال إلا أن الذي أعلمه من حكمه أنه حلال.
ولا يقول القائل: عندي أن هذا الجاني زيد، إلا أن الذي أعلمه منه أنه زيد، وكل ما يليق به علم وعند، فمعنى أحدهما فيه معنى للآخر.
ثم قال له: ما تريد بقولك عند تتغير! فإن ذلك أريد به أنه يجوز أن يكون زيد عنده اليوم مؤمنًا، أما بعلمه مؤمنًا فلا بد من نعم.
فيقال له: ما الفرق بين علم وعند؟ ويقال له: إن كان العلم لا يتغير، فعند لا تتغير! فإن قال: كيف لا يتغير ويكون الشيء عنده على وجه، وهو بعينه في وجه آخر عنده على غير ذلك الوجه.
قيل: فكذلك يعلم الشيء وقتًا على صفة، ويعلمه في وقت آخر على خلاف تلك الصفة.
فإن قال: علمه لا يتغير، وإنما يغير المعلوم قبل، فقل إن عندكم تتغير وإنما تغير ما عنده وليس بينهما فرق.
(فصل)
والعدل بين هذه المذاهب أن المؤمن لا ينبغي له أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنًا في الحال، لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة نعوذ بالله منه.
لأن ذلك وإن وقع وحبط ما تقدم من إيمانه، فليس ينقلب الموجود منه معدومًا من أصله، وإنما يحبط آخره ويبطل ثوابه.
وذلك الذي لا يحبط لا يخلو من أن يكون قبل أن يحبط موجودًا لفقد كان مؤمنًا إذا قبل أن يزيد، وإن حبط بالرقة إيمانه فلا معنى لاستثنائه، ولو كان سوء العاقبة وما يخش منه معتبرًا في هذا الباب لم يعلم أحد من من الذي خاطبهم الله تعالى باسم الإيمان، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} و (ياأيها المؤمنون) أو يخبر عنهم فيقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أو {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} ولم يوقف على أنه مراد بخطابه لدحره، لأن كل واحد منهما إذا كان معلقًا باسم الإيمان، وكان اسم الإيمان بين أن يثبت أو يزول مما دام إمكان الأمرين فيه قائمًا فلا سبيل إلى القطع بواحد منهما.