ألا ترى أن إلقاء الحوت إلى البر لما كان كافيًا لركوبه لم يحتج معه إلى استعمال الحديد، فهكذا هاهنا.
وينبغي إذا فرغ من الطعام وفي أطراف أصابعه بقايا من الطعام أن يلعقها، أو يلعقها صبيًا أو صبية، أو من يعلم أنه لا يتقذرها من زوجته أو أمته.
فإن الذي بقي على أنامله من الطعام لا يجوز تضييعه.
فإن غسله أو مسح به منديلًا فقد ضيعه.
ويروى ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسحن يده بالمنديل ولا بالثوب حتى يلعقها، فإنه لا يدري في أي طعام.
يبارك له».
فأما ما يؤكل عليه، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه أتي بطعام فقال: «ضعه بالحضيض، فإنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» .
وعنه: «الأكل على السفرة، ولا بأس بالأكل عليها وعلى الموائد» فإن الحواريين لم يقولوا لعيسى عليه السلام: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء إلا وعاد بهم الأكل على الموائد، ولم يزل ذلك عادة جارية، لا يعلم أن أحدًا أنكرها.
وروى عن أصحابه الأكل على الموائد، ودل على إباحته.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إذا أكل أحدكم طعامًا فسقطت لقمة فليمط رأبه منها، ثم ليطعمها فلا يدعها للشيطان» ومعنى هذا، لا يدعها فيفرح الشيطان بما نقص من طعامه، فإن عدو له، يسره ما يسوءه.
(فصل)
في الاحتياط للطعام حتى لا يدخل الجوف إلا طيبه.
قال نزل الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أرض ثمود، فأسقط من آبار بها، وعجنوا به العجين، فأمرهم أن يهريقوا أما أسقط من البشر التي كانت تردها الناقة.
يحتمل أن يكون توقي ذلك الماء لأن ثمود دفعت الناقة عن شربها ظلمًا، فإنهم قتلوها حين أقبلت تريد الورد، وكان الماء قسمة بينهم، لها شرب ولهم شرب وأصابهم في عقوبة ذلك من البلاء والإصطلام ما قد عرف.
ولم يزل ما يحدث بعد الماء الذي قتلت دونه يخلط به، وكلما حدث آخر اختلط الذي تقدم فلئن لم يكن الماء المسقي منه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلّم - عين الماء الذي دفعت الناقة، فقد كان مختلطًا بماء اختلط، هكذا مد إلى أن يبلغ عين ذلك الماء، ولم يخل من أن يكون له به اتصال بعيد، وإن لم يكن به اتصال قريب، فلذلك توقاه من أن يكون بقي من غضب الله الذي غضب به لناقته ما ألقاه على ذلك الماء، فيظهر أثره فيمن طعم منه لا عن حاجة وضرورة.
ويحتمل أن يكون أراد بذلك مؤاخاة يصلح عليه السلم، ومقاربته، ولا يطعم بأمر غلب على شرب ما فيه منها وصار ذلك سببًا لبوار قومه، ولا أن يأذن لأصحابه في الاستقاء منها لئلا يستأثروا بما قد كان وقع عنه، والله أعلم.