فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 1217

فإن قيل: فإن من تعذب غدوًا وعشيًا يجيء كل غدو وعشي، وهذا يزيد على الرب فضلًا عن اثنتين؟

قيل له: قد قال بعض العلماء في ذلك أن الإحياء في القبر إنما يكون لأدنى جزاء يحتمل الحياة والعقل، فإن كان ذلك كما قاله هؤلاء فلا حرر من أولى، فهذا الحكم من القلب الذي كان من قبل أن يموت ينبوع حياته، ومحل عقله وفهمه.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فيسل ويعذب بما يشاء الله ويعذب إن كان أهلًا للتعذيب، ويكرم إن كان أهلًا للتكريم، ثم لا يمات مادام الله يريد تعذيبه، وإنما يمات إذا رفع العذاب عنه إلى يوم القيامة، فلا يكون الموت على هذا أكثر من اثنين والله أعلم.

ومن قال هذا، قال: قد يجوز أن يكون قوم نوح أغرقوا ببعض البحار، والبحر نار يوم القيامة، فلعل ما غرقوا فيه جفت عليهم نارًا، فصلتهم قبل النيران لا قبل المياه والله أعلم.

ولا أعلم لهذا القائل في تخصيصه بعض أجزاء الميت بالأحياء غرضًا صحيحًا، فإن كان إنما فرضى أن جميع الميت إذا أحيي، فلا يخلو من أن يترك حيًا، مادام الله يريد تعذيبه.

أو يحيي كلما عذب وأميت، فإن نزل حيًا فلا فرق، وإذا بين المقبور بين المنشور، وإنما هو كالذين على سطح الأرض، إلا أنه لا يطعم ولا يشرب.

وإن أحيي ثم أميت ثم أحيي ثم أميت، لم يكن هذا إماتتين ولا إحياءين.

ولكنه يبلغ عددًا أكثر لا يحصيه إلا الله جل ثناؤه.

يكن هذا للجواب، لأنه ليس كل من يفهم ما يقال له يقدر على الجواب، ولكنه يحتاج مع هذا إلى أن يطلق له آلة الكلام كما أطلقت له آلة الفهم ثم إن كان أحيى آلة الفهم وآلة الكلام، لأن السؤال والجواب من دونهما مستحب، فليحيى كله، لأنه إذا جاد في الجواب عن الحق ضرب بعمود يلتهب منه، وفي هذا ما دل على أن الإحياء ينبغي أن يعم جميعه أو يخص بالعذاب قلبه ولسانه وذلك أمر غير معقول والله أعلم.

وهذه الطريقة التي شرحناها هي لمن لا يثبت إلا الروح والبدن.

فأما من قال: إن الإنسان له أجزاء نفس وروح وبدن، وإنه يقول: إن نفس الحي هي الموصوفة بالعلم والجهل والغم والسرور واللذة والألم، وإذا فارقت البدن مات البدن لأنه يصير بغرض الفساد والبلى بعدما كان بغرض التيسر والنمو.

فأما النفس وعدها فإنها تبقى حية تعلم وتفهم وتتلذذ وتتألم مما يعمها ويسيرها، وهي في هذه الحالة أشبه بالملائكة منها إذا كانت مجاورة البدن الطاعم الشارب الناكح.

فمعنى السؤال في القبر أن يحبس هذه النفس بعد خروجها من البدن، وتورد معه القبر حتى يحضر الملكان فيسألاها وهي على صورة بحيال قلبه.

فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} فإن ظهر لهما منهما الفجور، علما بأن البدن إنما كان يتصرف فيما تأمره به النفس الفاجرة، فأي شيء فعلاه مما يجري مجرى الإهانة، فإنه وإن وقع بالبدن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت