وقيل لفقرة العابدة: بلغنا أنك لا تنامين الليل فبكت ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه.
وكيف ينام ويقدر على النوم من لا ينام عليه حافظاه ليلًا ونهارًا فأبكتني وقلت في نفسي: أراك في شيء وأراني في شيء، ويعبد رجل من بني تميم، فكان يحيي الليل بالصلاة، فقالت له أمه يا بني لو نمت من الليل شيئًا فقال: ما شئت يا أماه، إن شئت أن أنام الليل وأجهد غدًا في الآخرة، وإن شئت لم أنم الليل لعلي أستريح غدًا.
قالت: يا بني والله ما أردت لك إلا الراحة، فراحة الآخرة أحب إلي من راحة الدنيا، فدونك يا بني، فخالف السهر أيام الحياة لعلك تنجو من عسر ذلك اليوم، وما أراك ناجيًا.
فصرخ الفتى صرخة فسقط بين يديها ميتًا.
فاجتمع عندها رال من بني تميم يعزونها وهي تقول وابنياه، قتيل يوم القيامة، وابنياه قتيل الآخرة، فكانوا يرون أنها أفضل من ابنها.
وكان سفيان الثوري وسائر من مضى ذكره يصلي قائمًا حتى يعي ثم يصلي قاعدًا حتى يعي ثم يصلي مضطجعًا.
(فصل)
وأما أوقات التهجد، فإن ما بعد ربع الليل الأول إلى الصباح وقت التهجد إلا أن أفضلها لمن أراد أن يقوم بعض الليل الثلث الأوسط، سئل النبي - صلى الله عليه وسلّم: أي الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الأوسط» ، وسئل أبو ذر أي الليل أفضل؟ قال: الليل الأوسط.
قيل: ومن يطيق ذلك من خاف أدلج.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن الله تعالى يمهل حتى يذهب ثلث الليل، يقول الله تعالى هل من سائل يعطى؟ هل من تائب؟ هل من مستغفر ذنب» .
وفي رواية أخرى: «إذا مضى ثلث الليل، يقول الله عز وجل: ألا سائل يعطي إلا داع يجاب: ألا سقيم يشتفي فيشفى؟ ألا مذنب يستغفر فيغفر له» .
(فصل)
ويستحب لمن أحيى الليل أن يؤخر الدعاء إلى السحر، ولمن قام السحر أن يمتد إليه ثم يستغفر ويدعو.
قال الله عز وجل: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
قال الحسن رضي الله عنه {كَانُواْ قَلِيلًا مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ، مدوا الصلاة إلى السحر، ثم دعوا وتضرعوا.
ذكر محارب بن دينار عن عمه أنه رأى رجلًا دخل المسجد فقال: اللهم دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فإن يعقوب صلوات الله عليه حين سرف بنيه أخرهم إلى السحر.
وقال سعد بن العاص رضي الله عنه: رصدت عمر رضي الله عنه فخرج إلى البقيع في السحر فاتبعته فأسرع حتى أتى البقيع فصلى ثم رفع يديه فقال: اللهم كبر سني وضعفت قوتي وخشيت الانتشار من رغبتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، ولم يزل يقولها حتى أصبح.