واختلف الناس في أصحاب الأعراف فقال قائلون: «إنهم ملائكة يقومون عليها، وينظرون إلى أهل الجنة مرة فيحيونهم، وإلى أهل النار مرة فيبكونهم، ويحملهم ما يشاهدونه من سوء أحوالهم على الاستعاذة بالله تعالى منها وذلك بعيد من وجهين: أحدهما أن الله - عز وجل - قال: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} واسم الرجال لذكور العقلاء، والملائكة ينقسمون إلى ذكور وإناث.
والآخر: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم يقولون لأهل الجنة: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} ، طامعين أن يدخلوها.
والملائكة غير محجوبين عن الجنة، إلا أن تكون ملائكة العذاب، ولئن كان منهم من أن لا يدخلها، فإنه لو دخلها ليتلذذ بنعيمها، إذ التلذذ بما يتلذذ به الناس غير مركب فيهم.
فيقال إذا لم يصل إليها أنه يطمع أن يدخلها.
وأيضًا فإن الحيلولة بين الطامع وطمعه تستبق ولا عذاب يومئذ على ملك.
وقيل: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله لا أنهم مع ذلك أصحاب كبائر، فلم يدخلوا النار، إلا أرواحهم ذهبت في سبيل الله تعالى ولم يدخلوا الجنة للكبائر التي وافوا القيامة بها فيحبسهم الله تعالى بين الجنة والنار خائفين، راجين إذا نظروا أهل الجنة، قالوا: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} مستعجلين بأن يلحقوا بهم، وإذا أشرفوا على النار، قالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
فيكون ذلك الخوف عقوبة لهم إلى أن يمن الله تعالى عليهم بالجنة.
وقيل: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، لأن الحسنات تحول بينهم وبين النار، والسيئات تحول بينهم وبين الجنة، فيحبسون هناك ما شاء الله عقوبة لهم على سيئاتهم ثم يدخلون الجنة.
وهذه الحال قد بينا من قبل أنها لا تكون ولا يمكن أنها لا تكون، ولا يمكن لأنه لو جاز أن تستوي الحسنات والسيئات مع تقدير الحسنات بأصلها وهو الإيمان، وانفراد السيئات عن الكفر لأمكن أن تزيد السيئات على الحسنات حتى يكون ميزانها هو الثقيل وميزان الحسنات هو الخفيف، ولو أمكن أن يكون ذلك لم يدخل من كان هذا حاله الجنة أبدًا، لأن الوزن لم يظهر له حسنة قط إذا كان ميزان السيئات هو الذي يثقل، ولا يوازي ثقلها من جانب الحسنات ثقيل أصلًا.
ولو كان لا يجوز أن يكون مؤمن يخلد في النار، علمنا أن زيادة سيئات المؤمن على حسناته غير ممكن، وإذا نظرنا في ذلك وجدنا المعنى: أن مع حسنات المؤمن إيمانه الذي هو أصل الطاعات، ولا يوازن الأصيل ما ليس بأصل.
فإذا وجب هذا المعنى أيضًا: أن لا تساوي حسنات المؤمن سيئاته، وأن يكون أثقل ميزاني المؤمن ميزان حسناته ـ والله أعلم ـ إلا أن يقول قائل: إلا أن يقول قائل: أن حسنات المؤمن سوى إيمانه، وسيئاته قد يستويان، ولكنه هذا إذا كان وضع الإيمان مع حسناته في الميزان فرجح.
فيزول حينئذ استواء الحسنات والسيئات والله أعلم.
إلا أن هذا فإن كان هكذا، فقد يجوز أن يكون أصحاب الاعتراف قومًا كثرت سيئاتهم، ولم يرد الله تعالى أن يحشرهم في النار وينالهم فعذبهم بحر النار وكربها ولم يسلطها على أجسادهم فيحقها والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل، ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم، قالوا: {مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} فإنما هو أنهم يقولون لقوم من أهل النار هذا فيقول لهم أهل النار في جواب ذلك وأنتم فما أغنى عنكم إيمانكم، والله لا يأليكم من الله رحمة فيكذب الله تعالى يمين أهل النار ويقول لهؤلاء: اقسمتم عليهم أي ومن أين أجزتم لأنفسكم أن تحكموا على الله، ثم يقول لأصحاب الأعراف: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} والله أعلم.