(باب في طلب العلم)
والعلم إذا أطلق علم الدين، وهو ينقسم أقسامًا.
فمنها علم الأصل.
وهو معرفة الباري جل ثناؤه، وقد تقدم القول عن كثير من فصولها.
ومنها معرفة ما جاء من عند الله تعالى.
ودخل في هذا علم النبوة، ومما تميز به الشيء من الشيء.
وعلم أحكام الله تعالى وأقضيته.
ومنها معرفة بطلب علم الأحكام فيه وهو الكتاب والسنة.
نصوصها ومعانيها، وتمييز وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف من الصحابة والتابعين ومن دونهم، وتمييز الاجتماع والاختلاف.
ومنها معرفة ما به يمكن طلب الأحكام في الكتاب والسنة، وهو العلم بلسان العرب وعاداتها، وفي مخاطبتها وتمييز مراتب الأخبار لينزل كل جزء منزلته، ويوفي بحسنها حقه، ثم إن طلب العلم من فروض الدين، إلا أنه من فروض الكفاية دون الأعيان والمقدار الذي يجب طلبه وتحصيله منه ما يقع به الكفاية للعمل.
وأفتى من لا علم له عنده ممن ينزل به ونبوته، فإن فرض أولئك مسألة العلماء وتقليدهم وذلك أن يعلم أن الدلائل الدالة على الباري جل جلاله، وقدمه ووحدانيته وقدرته، ما يخرج به من معرفة الله من حدود المقلدين، ويتسع به للدعاء إلى سبيله والنصح بالحجة عن دينه، ويعلم من دلائل النبوة ما يخص منها نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ما يستيقن بنبوته وصدقه ويكمل به للنصح بالحجة عنه، ويعلم من علم الكتاب ما يميز به المحكم من المتشابه، والخاص من العام، والمحمل من المفسد، والمطلق من المفيد، والظاهر من المحتمل، والناسخ من المنسوخ، والمجازي من الحقيقة، والأمر من الندب، والإباحة والنهي من التنزيه، وما جاء منها بلفظ الخبر وليس بخبر.
ومما جاء بلفظ الخبر وهو بالحقيقة خبر فإذا ميز وجوه الخطاب بعضها من بعض، وعرف الأكثر مما جاء في كل شيء منها، وقال الناس في تأويله، وإلا ظهر الأشبه أن يكون هو المراد، فلا عليه إن بقي وراء ذلك شيء لم يبلغه فلم يعلمه.
فإن الإحاطة بعلم الكتاب كله لم يكن إلا لمن أنزل عليه.
وأما الناس بعده، فعلم الكتاب فيهم متفرق ولا يؤخذ عند أحد منهم إلا تعلمه.
وعلوم الكتاب كثيرة.
منها علم بألفاظه وما أريد بها، وهذا هو الذي يقال له التفسير، ويدخل في هذا القسم ما اختلف فيه من القراءات ووجوهها.
ومنها علم المكي والمدني وأسباب التنزيل، ومن نزل فيه وما نزل لأجله.
ومنها علم الحاجات التي فيه، فقد أودعه الله تعالى من البراهين والحجج ما إذا عرفت حق المعرفة لم يحتج معها ولا وراها، إلى غيرها.