فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 1217

فإن قيل: فما تقول في كافر قتل مؤمنًا ومزقه وقطعه ولم يدع منه لحمًا ولا عظمًا ولا شيئًا قط إلا أكله، كيف يبعث؟

قيل: الأصل الذي ذكرنا، يقتضي أن يخلق الله تعالى لنفسه بدنًا جديدًا ويصرف الثواب الذي استحقه عليه، فيكون هذا الخلق الجديد عوضًا له من بدنه الفائت والله أعلم.

فإن قيل: فإن كان هذا هكذا، فأجزاء يحدث الله تعالى عند النشأة الثانية.

لكل نفس بدنًا جديدًا أو لا يعيد البدن الذي كان؟

قيل: ولا هذا يلزمنا لأنا لم نقل أن ما فات من بدن المؤمن، فإن صار بدنًا للكافر ولا يعاد، فيلزمنا عن ذلك إجازة أن لا يعاد شيء أصلًا.

وأما التعويض فإنما يليق بما فات، لأن ما هو قائم بعينه، فكلما أكلته الأرض فإنما هو البدن غير أن أعراضه تبدلت بإعادة الأعراض التي كانت له حتى يصير بدنًا كما كان، أولى بها من خلق بدن جديد لينال بالثواب ما أجهده العمل بعينه، حتى إذا كان اتصال الثواب إلى ما أجهده العمل مجالًا لانقلاب ما كانت الطاعة أجهدته بدن كافر، كانت إقامة مثله مقامة ما عدل وأمثل، فإنه لم يقم مقامه مثله حلت النفس، ولم تتبع وحدها لتنعم أصلًا، ففي ذلك اتصال الثواب وإبطاله يضيع الحسنات.

وقد أخبر الله عز وجل: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} وإن كان يتسع للحياة، والاستئناس بمثلها، والفرح بمكانها الذي فيه، ففي ذلك تقليل الثواب، لأنها لو كان معها بدن طاعم وشارب ولابس يتمتع بالشهوات، ويتقلب في اللذات لكان بنعمها مما يخلص إليها من النعمة واللذة من قبل البدن أكثر.

فعلمنا أن التعويض من الفائت أقرب إلى الإنابة بالحسنات لا عن تعويضه.

فإن قيل: النفس العاقلة لا تتنعم بالشهوات.

قيل: إنما لا تتنعم بها إذا كان في اتباعها إغفال للطاعات والحسنات والخيرات، والتوغل في المفاسد والسيئات، وهذا إنما يكون في الدنيا.

فأما الدار الآخرة فلا تكليف فيها، وإنما هي دار فراغ، والتنعم فيها بالشهوات واللذات هو الخير المحض لأن من فاته لا يرجع منه إلى ما يكون له خيرًا منه.

فبطل قول من قال: إن النفس العاقلة لا تتنعم بالشهوات والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت