فهرس الكتاب

الصفحة 1138 من 1217

(فصل)

وأما قول من قال: إن كانت السماء حرست في عهد النبي - صلى الله عليه وسلّم -، أفكانت ضائعة من قبل؟

فجوابه: أنها لم تكن ضائعة بل كانت محروسة، لكن غلظ أمرها وشددت حراستها بمبعث النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وعلى أنها لم تكن محروسة، ولا الشياطين عنها بالقهر ممنوعة لكان في بيعهم وزجرهم عن الصعود والسمع بالنهي كفاية.

وقال الله - عز وجل - لإبليس: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} وقال: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} .

فمن كان من ذريته أو من جده أو من طبقته فهو مثله، وله من الرجم والزجر ما له، فإن أغفلوا أو بعضهم التهى، فليس ذلك يلزم ربنا جل ثناؤه بصنعها ولا إهمالها، فما أكثر ما شرع للإنس وأمر ونهى وأباح وحظر ورغب وحدد ونزه وندب ووعد وأوعد، فضلوا عن شرائعه، وتركوا الطاعة في نواهيه وأوامره، ثم لم يعالجهم بالعقوبة، ولم يلجئهم إلى فعل ما يرضيه عنهم ضرورة، ولم يوجب ذلك إضافة التصنيع والإهمال إليه عن اسمه، فذلك شأن السماء وما يجري فيها، والله أعلم.

(فصل)

وأما قول من قال: إن الجن أصفى أذهانًا وأثقب أفهامًا، فكيف يعلم أنها ترصد بالشهب، وتعاين من يحترق من المستمعين منهم، ثم يعود فيجلس تلك المجالس، ويتعرض للاحتراق؟

فجوابه: إن الله - عز وجل - إذا كان قد قضى على طائفة منها الحق، لطغيانها وضلالها قيض لها من الدواعي المطعمة في درك المرام المغفلة عن الاختيار ما يقرب عليها بعد الطلب، ويحول بينها وبين سبيل المهرب، ويوردها مواضع حتوفها، فينزل بها قدر الله على رغم أنوفها وبالله التوفيق.

وقد ذهب بعض المتكلفين إلى أن نصب الحرس وإعداده الشهب خارق في وقت النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وإن ما ينسب إلى الأوائل من وضع الكتب في تأويل الشهب فغير موثوق به فقد جرب المترجمون كثيرًا من كلامهم، ونسبت إليهم كتب لم يضعوها، وأشياء لم يقولها، وأما الأشعار فلم يثبت عن الجاهلين فيها شيء من القصائد التي فيها ذكرها، بعضها من نسبت إليه، والأمر في ذلك أبين، وبعضها شعر من المخضرمين الذين جمعوا بين الجاهلية والإسلام ولا يخالف القرآن بوجه من الوجوه، وخصوصًا بخبر لا يعرف أصله ولا يعتمد نقله، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت